النادر.. محمد رفيع

3 سبتمبر  2017

بعد التحرير بسنوات قليلة، قمت بوضع دراسة تتعلّق بما يتطلبه الأمر من مال وعقار لإقامة مدرسة «غير ربحية»، على النمط الغربي، لبطيئي التعلم، الذين تزايد عددهم بشكل كبير من دون وجود ما يلبي احتياجاتهم.
أعيتنا السبل، خصوصاً بعد رفض المرحوم أحمد الربعي، عندما كان وزيراً للتعليم، إعطاءنا واحدة من مباني مدارس الوزارة الخالية، ولو بصورة مؤقتة، لإقامة مشروعنا «الخيري».
في حالة الإحباط التي كنت فيها، طلب مني قريب أن أتجه بفكرة إنشاء المدرسة لمن يمثل بعض مراجع الشيعة مالياً داخل الكويت، لعله يقتنع بفكرة المدرسة والصرف من «الخمس» عليها! رفضت عرضه فوراً قائلاً إنني أعلم بأن الرفض سيكون مصير طلبي. قال لي إن عليّ أن أجرب ولن أخسر شيئاً، فوافقت شريطة أن يكون لي الحق في أن أبين وجهة نظري لذلك الشخص. كما توقعت رفض الطلب، فقلت لوكيل المراجع بغضب واضح إن رفضه هو سبب ما نحن فيه. فلا أحد يهتم أو يفكر بالمواضيع الإنسانية أو العلمية أو التعليمية، لأننا أمم لا تصرف شيئاً إن لم يكن وراءه نص يبرره، وإن إنشاء مدرسة لبطيئي التعلم حتماً ليس بين الأمور الدينية التي يكسب من يقيمها أجراً، وأن الأولى منها بناء دور العبادة، وما أكثرها، والصرف على طلبة العلم في الحوزات، وما أكبر عددهم!
تذكرت تلك القصة التي مر عليها ربع قرن تقريباً عندما قرأت قرار المشرفين على مبرة «محمد رفيع معرفي» الخيرية إنشاء ثلاث مدارس في باكستان، وإطلاق أسماء عبدالحسين عبدالرضا ووليد العلي وفهد الحسيني على كل واحدة منها، من دون التفات لمذهب أي منهم أو معتقداته، في مبادرة وطنية وإنسانية رائعة.
قرار المبرة في تكريم هؤلاء فاق ما فعلته جهات أخرى بكثير، فنحن بحاجة لدور علم أكثر من حاجتنا لدور عبادة! فبإمكان أي كان أداء العبادات في بيته، ولكنه لا يستطيع تلقي العلم إلا في المدرسة، خصوصاً أن الهوة الأخلاقية والعلمية والصناعية التي تفصلنا عن الدول المتقدمة باتساع، ولا يمكن بغير العلم ردمها.
خبر «مبرة محمد رفيع معرفي» دفعني إلى البحث في تاريخها، حيث تبين أن باع صاحبها في الكرم طويل ويعود لسبعين عاماً، وأنه كان واحداً من أولئك الأفذاذ الذين حرصوا على الصرف من أموالهم على الدارسين، ولكل محتاج مر بطريقه.
وبنظري، هناك فرق بين المحسن والكريم. فالمحسن هو من يجود بماله لغرض ديني. أما الكريم، فمعناه أكثر شمولاً، وعمله أكثر رحابة، ومحمد رفيع كان أحد هؤلاء الكرماء، وما أقلهم في مجتمعنا.
ولد محمد رفيع عام 1909، وكان والده آنذاك يملك سبع سفن شراعية كانت تعمل بين الكويت والبصرة والهند، فسافر إلى الهند وهو لم يتجاوز الرابعة عشر، بغرض التجارة، ولم يكن معه غير 200 روبية، أو 150 ديناراً. وكانت بداياته شراء الدراجات الهوائية من الهند كقطع، وتولى تركيبها وبيعها في الكويت. ثم تاجر بطباخات الكيروسين، التي كان يجلبها من عبادان ويقوم بتركيبها وبيعها، وكانت تلك بداياته التي نقلته لآفاق رحبة كبيرة.
درس في المباركية، ودخل السياسة مع تبلور حسه التجاري والسياسي بما اكتسب من خبرات في الداخل والخارج، وكان له موقف مثير للعجب أو الجدل عندما توجه لدار المعتمد البريطاني، عند وقوع أحداث مجلس 1938 بين الفئات الثرية والمتعلمة من الشعب وبين السلطة، وطالب المعتمد، بجرأة غريبة، بالتدخل، وحل الإشكال قبل تفاقم الوضع.
كان محمد رفيع من مؤسسي أول فريق كرة قدم كويتي مع حمد صالح الحميضي، أحمد زيد سرحان، محمد عبدالمحسن الخرافي، أحمد الرزوقي وسالم السديراوي، وغيرهم من رفاق الهند، وكان ذلك عام 1931.
وفي عام 1961 انتخب عضواً في المجلس التأسيسي، والذي أوكلت إليه مهمة وضع دستور الكويت.
تميزت شخصية محمد رفيع معرفي بالحب والعطف والعطاء وتقديم المساعدة للمحتاجين والفقراء، ومنها إنشاء مستشفى في البصرة، لا يزال قائماً، ولكن تغير اسمه تالياً إلى «الجمهوري»، وليستمر عطاؤه، ومن بعده عطاء مبرته، ليشمل إنشاء 345 مدرسة في مختلف دول العالم، ومستشفيات ومرافق صحية، وغيرها، من دون قصر المعونة على جنس أو أتباع مذهب أو دين معين.
هذا رجل يستحق البحث في سيرته والكتابة عنه.