الهواء النقي الطاهر

خصصت الدولة قبل سنتين مبلغ 5 ملايين دينار لنشر فكرة الوسطية عن الاسلام والرد على من يتهم المسلمين بالارهابِ صرف المبلغ دون ان يلاحظ احد اي تغيير في مواقف الجهات المعادية لنا او الجهات التي ترتكب الارهاب بيننا، وربما كان العكس هو الاصح.
فعدد ضحايا الارهاب منذ مؤتمر الوسطية الاول وحتى اليوم قد بلغ الضعفِ وكأن هذا الفشل لم يكف ولهذا عادت وزارة الاوقاف قبل ايام واعلنت عن رصد مبلغ عشرة ملايين دينار اخرى لدعم فكرة الوسطية ذاتها، دون ان تفيدنا عن النتائج الايجابية التي نتجت عن صرف المبلغ الاول! ومن ثم ذهب وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية والوفد العلمي الضخم المرافق الى اميركا، وعادوا منها بعد ان ختموا جلسات مؤتمر الوسطية الثاني، الذي شارك فيه من شاركوا في المؤتمر الاول انفسهم، وجلهم من العرب والمسلمين او المتعاطفين معهم! اي اننا تحدثنا للمرة الالف بعضنا مع بعض وأقنعنا انفسنا والمسلمين الآخرين بأننا، حقا وحقيقة، لسنا من الارهابيين ولا نميل لتصرفاتهمِ ولا اعلم حقا مغزى التصريح الذي ادلى به الوزير قبل سفره من ان هدف عقد المؤتمر هو الرد على كل من يتهم الاسلام والمسلمين بالارهاب والتطرف! ولا ادري حقا، كيف يمكن تحقيق ذلك لمجموعة تتحاور فيما بينها على امور نحن متفقون عليها اصلا؟
لقد كنا نتوقع من مؤتمر الوسطية الثاني، بعد ان خاب املنا في الاول، ان يصدر عنه ما يدين اسامة بن لادن وغزوة منهاتن، وما سبقها من محاولة تفجير لبرج التجارة بإيعاز من الشيخ عمر عبدالرحمنِ كنا نود من وفد الاوقاف الوسطي ان يبين لنا موقف الكويت وعلماء المسلمين من تفجيرات مترو انفاق لندن ونسف سفارة اميركا في نيروبي وتفجير مساكن المدنيين في الخبر واغتيال السياح اليابانيين وغيرهم من الاجانب في مصر والمغرب وتونس وتفجيرات جزيرة بالي وفنادق جاكرتا التي كان يسكن في احدها سفير الكويت المفوض لدى اندونيسيا، او ان يشرحوا لنا مواقفهم من تفجيرات كنيس تونس وسلسلة تفجيرات الفنادق المغربية، وما جرى ولا يزال يجري منذ عشرة اعوام من مذابح في الجزائر والقتل الدموي المستمر باسم الدين في مدن وقرى وشوارع العراق بين السنة والشيعة، وبين السنة والسنة، وبين الشيعة والشيعةِ وماذا عن قتل المخرج الهولندي فان غوخ،او موقفنا من المواطن البريطاني المسلم الذي قطع رأس ابنته في برمنغهام لخروجها عن طاعته، او قضايا حرق الكتب في شوارع برادفورد وغيرها من المدن الانكليزية على ايدي مسلمين، او موقف المؤتمرين من فضيحة اهدار دم سلمان رشدي وتسليمه نسرين وغيرهما من الكتاب والفنانين، وجريمة الاعتداء على نجيب محفوظ واصرار مسلمينا على الصلاة في شوارع المدن الغربية ايام الجمع وسد الطرقات بحجة حرية العبادةِ كنا نتمنى من وزيرنا وعلمائه وبقية المشاركين تفسير سكوت غالبيتهم، ان لم يكن جميعهم، عن فتوى امام مسجد سدني بخصوص اللحم المكشوف ودعوته غير المباشرة لاغتصاب السافرات من الاسترالياتِ ومن منا ادان، وهو مطمئن القلب والفؤاد، عمليات حرق العمارات والمكاتب والمباني التي كانت تقع فيها السفارات الدانمركية وما تبع ذلك من تصرفات خرقاء ادت لاتلاف الاطعمة الدانمركية في مخازن تجار المواد الغذائية، وما كان على ارفف المحال والجمعيات من منتجات دانمركيةِ واين كان الوسطيون منا من جريمة هدم تماثيل بوذا في باميان، افغانستان، وتفجيرات فنادق عمان ـ الاردن، وعمليات اغتيال الاجانب في شوارع الكويت والسعودية، وعمليات 'المقاومة' الصبيانية في جزيرة فيلكا، وجرائم اسود الجزيرة الارهابية في الكويت وقتلهم لرجال الامن الكويتيين، ومشاركة العرب المسلمين في عمليات 'الجهاد' في الشيشان وقبلها افغانستان وباكستان، وبعدها كوسوفو والعراقِ واعتداءات مختلف اتباع الطوائف الاسلامية في الهند وباكستان والعراق بعضهم على مساجد بعض، وضرب وطرد مواطن بحريني شيعي مسلم في الكويت بعد ان تبين انه اخطأ وصلى في مسجد تابع للسنة في منطقة العديليةِ واين 'علماء' مؤتمر الوسطية من تفجيرات طابا وجرائم شرم الشيخ والدار البيضاء الارهابية، وقطع رؤوس الصحافيين في العراق والجزائر وافغانستان وصدور مئات الفتاوى من عدد كبير من رجال الدين المسلمين تبيح قتل اتباع هذه الطائفة او تلك العقيدة او الديانة او الجنسية المسلمة الاخرىِ وماذا عن جريمة قتل مئات الاطفال والمدرسات في مدرسة باسلان في روسيا، وتخصص 'الشجعان' منا في الوقوف ملثمين وبأيديهم رشاشات الكلاشينكوف يهددون بها رهائنهم العزل الابرياء وخلفهم خرق سوداء تحمل مختلف النصوص الدينية الشديدة الوطء على النفس، وعدسات الكاميرات تصورهم وهم يقومون بجز رقاب رهائنهم من الوريد الى الوريد لا لشيء الا لانهم من جنسية دولة غربية!
كنا نتمنى من مؤتمرات الوسطية ان تشرح لنا المبرر لوقوع غالبية عمليات قتل وتعذيب الاخرين على ايدي ابنائنا! وسبب تلذذ الكثيرين منا برؤية تلك المناظر البشعةِ او ان يفسروا لنا لماذا اصبحنا، كمسلمين، الوحيدين الذين لا يزال بإمكان رجال الدين منا ارسال الجهلة والصبية منا لكي يموتوا على بعد آلاف الاميال من اوطانهم وامهاتهم في قضايا خلافية لا يعرفون عنها شيئا، سوى رغبتهم العارمة في لقاء الاحبة والحور العين؟ ولماذا تقف حكومات غالبية دولنا مترددة او خائفة من ردع هؤلاء الدعاة المحرضين والمخربين والقتلة؟ ولماذا تكون اقلياتنا المهاجرة الى الغرب الكافر الوحيدة التي طالبت وتطالب سلطات تلك البلاد بالمدارس الدينية والمقابر المسلمة واللباس المسلم واللحم الحلال، وسعينا في الوقت نفسه للابتعاد عنهم وعدم التعاون معهم ونبذ طعامهم وتحريم لباسهم والامتناع عن مصافحتهم، وعندما تردت الاحوال الاقتصادية بالبعض منا اضرمنا النار في محالهم وتجارتهم وسياراتهم وقتلنا شرطتهم؟
ان وضعنا كمسلمين، وعرب بالذات، يشبه وضع اولئك الذين اصروا على العيش في غرفة كبيرة مغلقة واستنشاق الهواء الفاسد القديم نفسه بكل علاته، ورفض فتح اي شباك او باب او حتى فتحة صغيرة لكي لا يأتي منها اي هواء جديد مخالف لنوعية هوائناِ وعندما نترك بلادنا هربا اما خوفا من بطش حكوماتنا الدكتاتورية او بحثا عما يسد رمقنا نصر على اخذ الهواء الخانق، الذي استعمل واستنشق المرة تلو الاخرى، معنا اينما ذهبنا، وكأن هواء الفضاء الواسع من حولنا لا يصلح لأن يستنشق ويدخل رئاتنا النقية والطاهرة.

الارشيف

Back to Top