حكايتي مع فيروز!

كانت المطربة السيدة فيروز سببا في اصابتي بأول ضربة قاضية في حياتي كصبي شقي.
كنت الولد الوحيد في الحي الذي يجاهر بحبه لصوت فيروزِ وكان ذلك يعود بالدرجة الاولى لكوني الوحيد الذي كان يعرف شيئا عن لبنان، بعد ان سافرت إليه مع والدي واشقائي لأكثر من مرة.
حدثت العلقة عندما كنت في سن المراهقة، كان لكل واحد في الحي مطربه المفضل، وكان النقاش يحتدم دائما على من هو الافضل، خصوصا بعد او اثناء مشاهدة فيلم سينمائي غنائي لهذا المطرب او لتلك المغنية، وكان لفريد الاطرش ومحمد عبدالوهاب النصيب الاكبر من المحبين والمشجعينِ ولكن عندما جاهرت يوما بحقيقة رأيي في فنهما وصوتيهما، وبتفضيلي لصوت المطربة اللبنانية فيروز عليهما تعرضت لسخرية الجميع، فغالبيتهم، ان لم يكن كلهم، لم يسمعوا باسم فيروز من قبل، دع عنك معرفة اي من اغانيها، لم يقف الامر بأحدهم عند حد الاستخفاف برأيي وذوقي 'المائع'، بل تطور الأمر إلى عداء مستحكم بيني وبينهِ وتسبب اصراري في يوم من الأيام على رأيي في تورطي في نقاش حاد معه، وكان يكبرني سنا وقوة وحجما، ولم يكد ذلك النقاش ينتهي حتى كنت ملقى على الارض والدماء تنزف من انفي بسبب لكمة اصابت وجهي، لكن دون ان تنجح في كسر انفي او تغيير رأيي في جمال صوت فيروز وعذوبته المتناهية!
ولا أزال حتى اليوم، وربما الى الابد، من المولعين بصوت من شدت: 'نحنا والقمر جيران، سنرجع يوما الى حينا، عا هدير البوسطة، انا عندي حنين، حبيتك تانسيت النوم، ياحنينة، عم بتضوي الشمس، مشوار، وقعدت الحلوة، اهواك بلا سبب'، وغيرها المئات من اعذب الاغاني واجمل المسرحيات والدبكات الراقصة.
تميزت فيروز ليس فقط بصوتها وادائها، بل ايضا بحرصها على سمعتها وبعدها عن الابتذال، سواء ما تعلق منه بفنها او بحياتها الشخصية.
لا ادري ما العمر الحقيقي للسيدة فيروز، ولكن هذا ليس بالمهم بقدر اهمية ما أعطته لوطنها من سمعة طيبة وما منحته من متعة متناهية لجموع المعجبين بصوتهاِ فالعمر لا يقدر دائما بعدد السنوات، بل بما تم تحقيقه من انجاز وابداع وانتاج في العمل.
ويكفي فيروز فخرا انها، ولا شيء غيرها، الرمز الوحيد الذي اجمع اللبنانيون كافة في الداخل والخارج، ومن المهجرين، القصير القريب، والطويل البعيد، على محبته من دون غرض او هدف، بعد ان اختلفوا حتى على نوعية الهواء الذي يجب على الطرف الآخر استنشاقه!

الارشيف

Back to Top