لماذا نكره الصريح الصادق؟

في مقال للزميلة المصرية فاطمة ناعوت وردت الفقرة التالية: سأل رجل دين الدلاي لاما عن أفضلِ الأديان، من وجهة نظره؟ فقال: هي تلك التي تجعل الإنسان شخصًا أفضل، صاحب عقيدةٍ تجعلك أكثر رحمةً، أكثر إدراكًا، أكثر حساسيةً، أقلّ تحيّزًا، أقلّ عنصريةً، أكثر حبًّا، أنظف لسانًا، أكثر إنسانيةً، أكثر مسؤوليةً، وذا أخلاق. الدينُ الذي يجعلك كل ما سبق، هو الدينُ الأفضل. واستطرد: لستُ مهتما يا صديقي بعقيدتك أو دينك أو مذهبك. أو إذا ما كنتَ متديّنًا أو لا. الذي يعنيني حقّا هو سلوكك أمام نفسك، ثم أمام نظرائك، ثمّ أمام أسرتك، ثمّ أمام مجتمعك، ثم أمام العالم. لأن جميع كل ما سبق سيشكّل كيانك وصورتك أمام الله. تذكّر أن الكونَ هو صدى أفعالنا وصدى أفكارنا. وان قانونَ الفعل وردّ الفعل لا يخصُّ الفيزياء فقط، بل هو أيضًا قانونٌ يحكم علاقاتنا الإنسانية. إذا ما امتثلت للخير فستحصد الخيرَ، وإذا ما امتثلت للشرّ، فلن تحصد إلا الشرَّ. علّمنا أجدادُنا الحقيقة الصافية التي تقول: سوف تجني دائمًا ما تتمناه للآخرين؛ فالسعادةُ ليست رهن القدَر والقسمة والنصيب، بل هي اختيارٌ وقرار، ثم ختم كلامه، قائلا: انتبه جيدا لأفكارك، لأنها سوف تتحوّل إلى كلمات. وانتبه إلى كلماتك، لأنها سوف تتحوّل إلى أفعال. وانتبه إلى أفعالك، لأنها سوف تتحوّل إلى عادات. وانتبه إلى عاداتك، لأنها سوف تكوّن شخصيتك، وانتبه جيدًّا إلى شخصيتك، لأنها سوف تصنع قدرك. وقدرُك سوف يصنع حياتك كلّها. انتهى.
ما أراد الدلاي لاما قوله، ببساطة، هو أن الدين وسيلة وليس غاية. فالغاية هي صلاح حال البشر والمجتمعات!
والآن، إن اتفقنا مع تعريف الدلاي لاما للعقيدة، كان بها. وإن اختلفنا معه، فإننا بذلك نخالف الفطرة البشرية والميل الإنساني للتعايش مع الآخر.
ومن هذا المنطلق استغربت ردود البعض السلبية على ما أبديته من صراحة وشفافية في إجاباتي عن أسئلة برنامج «وسّع صدرك» للمقدّم المبدع جعفر محمد، التي كشفت أن الصراحة وصدق القول أمور غير مرغوبة في مجتمعاتنا، التي اعتادت على التغطية و«الخش والدس»، وادّعاء ما لا نبطن، حتى لو تسبّب ذلك في إصابتنا بــ «الشيزوفرينيا»، أي فعل الشيء ونقيضه.
وأتذكر جيدا، عندما كنت أعيش في لندن، أن ضيوفي من الكويت كانوا غالبا ما يصرّون على تناول العشاء في أفخم المطاعم الغربية، وكانوا يبالغون في حرصهم على عدم تناول أي أطعمة محرمة، ولكنهم كانوا جميعا تقريبا يطلبون مني، في نهاية السهرة، أن اصطحبهم لنادٍ ليلي أو لكازينو قمار! وهذا ذكرني بمقولة صدرت مؤخرا عن نائب رئيس وزراء ماليزيا من أن كثيراً من المسلمين حريصون على عدم تناول الطعام الحرام، ولكنهم ليسوا بذلك الحرص مع المال الحرام.
كما أن معايير حكم الكثيرين على غيرهم تتحدّد بالصلاة، فكل من صلّى فهو صالح، وتاركها هو الذي يستحق النبذ، والقتل، كما تنص فتاوى كثيرة! ولا أدري أين ذهبت مقولة: المسلم من سلم الناس من يده ولسانه؟ وماذا عن صدق الإنسان وأمانته وعفة لسانه وإخلاصه لوطنه ومجتمعه وأسرته؟

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top