صعوبة تحمّل الكذب

لا دولة يمكن أن تتحمل إنتاج جيل كامل من دون تعليم جيد. هذا الجيل سيدمر الدولة داخلياً، لتتفتت وتفقد مقومات استمرارها، ودول الشرق الأوسط (العربية) التي أهملت التعليم، تدفع الثمن الآن. (فكتور شيا، خبير تعليم كوري جنوبي).

***

دعيت قبل سنوات لإلقاء محاضرة في معهد للفتيات تابع للتعليم التطبيقي كائن في منطقة الشامية. فوجئت بأن الجميع كن من المنتقبات، بخلاف اثنتين محجبتين، من أصل ما يقارب الأربعين طالبة. اصبت بالصدمة، وتشتت الفكر، وابديت امتعاضي لاضطراري للتحدث، من دون تواصل إنساني مع كتل سوداء لا تربطني بها أية أحاسيس بشرية سوية، واختصرت المحاضرة إلى النصف وتركت.

***

وقبل سنوات تعرض بيت وأمن الدكتور هلال الساير للاعتداء بسبب موقفه الرافض لإصرار بعض طالباته في كلية الطب على حضور محاضراته، وفي المختبر، وهن منتقبات. وهناك عشرات أو مئات القصص المماثلة الأخرى التي حدثت للكثيرين، والتي لم نسمع بها من قبل، وبسبب «تغير العقليات» أصبح الشذوذ هو القاعدة.

***

يمكن للإنسان السوي التساهل في أمور كثيرة، وتحمل قلة فهم البعض أو ضعف استيعابهم، وحتى قلة أدبهم، لإيمانه بوجود فوارق بين البشر بسبب العمر والثقافة والخلفية الدراسية وغيرها. ولكن ما لا يمكن تحمله أو التسامح معه هو الكذب، وخاصة الذي يقصد منه التغطية على أمر، أو إيذاء آخر والإساءة له عمدا.

***

الليبرالية في منطقتنا، ومن دون استثناء، ليست حركة ولا تمثل من قبل أي حزب وليس لها اتجاه واضح، ولا زعامات وأطر قانونية محددة، بل هي في الغالب مشاعر تكتنف صدور البعض، يؤمنون بشيء منها وفيها، ويختلفون مع غالب ما تدعو له. فالليبرالية تدعو للتسامح مع الغير وعدم الغلو في الأمور الدينية، وتشجيع الحريات العامة، والإيمان بالمساواة بين البشر وبحرية التعبير، وضرورة توافر الحريات الدينية والمدنية والسياسية للمواطنين والمقيمين كافة! ويعارض المتزمتون والمحافظون، وبالذات من أتباع الأحزاب الدينية، وفي منطقتنا حصرا، بشراسة كل هذه الاتجاهات، لأنها تقوض الأسس التي بنوا عليها سياساتهم الحزبية التي حققت لهم المال والقوة السياسية والفوز بالعقود الحكومية الدسمة.

***

يدعي أحد هؤلاء، وهو أكثرهم فسادا وادعاء، أنه «أثبت تاريخياً» سقوط المبادئ الليبرالية، من احترام الرأي الآخر وحرية التعبير التي ينادي بها الليبراليون، وذلك بعد ثورات الربيع العربي، وكأنه يقول بأنه أثبت أن الأرض مسطحة وأنها مركز الكون! ويدعي، كذبا، بأن وزارة التربية في الكويت كانت تُدار من الليبراليين، وأن من ضيّع البلد وعطّل التنمية فيه هم «أصحاب الفكر الليبرالي المسيطر على كل مرافق الدولة طوال عقود من الزمن»(!!) وهذا يعني أن أصحاب الفكر الديني، من أتباع الأحزاب الدينية، من إخوان وسلف وتلف، أسهموا في الدفع بعجلة التنمية إلى الأمام، والليبراليون هم من أوقف تلك العجلة، ودورهم في تخلف التعليم، وانهيار منظومته، وتخلف الوطن بأكمله يقع على عاتقهم. الغريب أن هذا الدعي، وغيره، لم ينتبهوا يوما لحقيقة أن ليس لليبرالية في الكويت وجود حقيقي، ولا كيان سياسي ولا قيادة ولا برامج انتخابية ولا أموال حزبية، فكيف استطاع «كيان هلامي» تغيير التعليم وجره البلاد للخلف؟
***

سؤال: ما الحزب الديني الذي أقسم «قادته» بأغلظ الأيمان بعدم المشاركة في انتخابات الصوت الواحد... وبعدين لحسوا كل كلامهم؟

أحمد الصراف

a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top