دافنينه سوا

 كان رجلان يمتلكان حمارا ويعتمدان عليه في معاشهما، وفي أحد الأيام، في طريق عودتهما من تسليم شحنة ثقيلة لخارج البلدة، حرد الحمار فجأة ورفض التحرك وعندما قسوا عليه بالضرب وقع على الأرض ونفق من فوره، فأصيب الاثنان بصدمة كبيرة لخسارتهما مصدر رزقهما الوحيد، وجلسا يندبان حظهما! وبسبب طول علاقتهما بذاك الحمار قررا عدم تركه هناك في العراء، بل دفنه بطريقة مناسبة، وما ان انتهيا من اهالة التراب عليه في الحفرة، وجلسا والارهاق والهم والغم بادية عليهما، مر عابر سبيل ورأى امارات الحزن عليهما، فرق قلبه لمنظرهما، وظن أنهما يبكيان حبيبا فقداه، فوضع بجانبهما بعض الطعام وقطعة نقود! فشكراه وتناولا الطعام ووضع احدهما قطعة النقود في جيبه، ورفع يديه يحمد ربه، بدعاء طويل، على نعمته، فمر عابر سبيل آخر وسمع الدعاء ورأى منظرهما امام القبر ، فغلبته طيبته فوضع قطعة نقود هو أيضا أمامهما وطلب من الداعي أن يدعو له بالتوفيق في مهمته! وهنا برقت في رأس أحد الرجلين فكرة، فقام من فوره وذهب للمدينة القريبة وعاد منها ومعه بعض الملابس وقطع قماش بيضاء وبضع قطع رخام ومونة وقام ببناء ما يشبه القبر المعتبر، بحيث أصبح شكله أكثر مدعاة للاحترام. وقاد الحظ رجالا ونساء للمرور بالطريق نفسه ورؤية الرجلين وهما بأرديتهما الدينية الوقورة يرسلان الدعاء خلف الآخر والرجاء بظهر أخيه، ويهزان رأسيهما بوقار شديد، وتزيدهما هيبة قطع القماش التي لفاها على رأسيهما كعمتين، فقام هؤلاء المارة وعابرو السبيل بالتبرع لهما، حاثين غيرهم على التبرع فلا بد أن الرجلين يرعيان قبر «ولي» من الصالحين، ويستحقان العون. ومع الأيام تكاثر الزوار من حولهما، وانقلب المكان لمزار بعد أن دفعا للبعض لكي يروجوا لرؤيتهم معجزات يعود الفضل فيها للمدفون في ذلك القبر، ونقل ما رأوه من قدراته على تقريب البعيد وجعل العاقر تحمل والعانس تقترن. وهكذا جذب هذا غيرهم من منتفعين وشذاذ آفاق، من الذين عادة ما يتواجدون في مثل هذه الأماكن، والذين قاموا بالمزايدة على غيرهم في وصف معجزات الولي الصالح، بعد أن أصبحت مصالحهم مرتبطة بصحة ما يشاع عن قدراته الخارقة، وقام آخرون بفتح محال لبيع الخرز والمسابح والتعاويذ، وتخصص غيرهم في كتابة الأدعية، وفتح آخرون مطاعم ومقاهي ومشارب لخدمة الزوار، ونصب غيرهم خياما لايواء قاصدي المزار والتبرك. ولم يمر وقت طويل قبل ان يتحول القبر اليتيم الى قرية صغيرة ثم لما يشبه المدينة، والفضل كل الفضل لـ«الولي الصالح»، الذي أصبح مزاره مركز المدينة ومصدر قوتها وثراء قاطنيها، بحيث ارتبط رخاء عيشهم به، وهكذا انقلبت حياة صاحبي الحمار من الفقر المدقع الى الثراء الفاحش، بعد أن اصبحت الأموال تجري بين أيديهما كجريان حبات الرمال من ثقوب المنخل! وفجأة دب الخلاف بينهما في احدى الليالي، أثناء اقتسام الغلة، على قطعة قماش ثمينة وضعت في المزار، وتعالى صوتاهما، وهدد أكبرهما بفضح السر، وبأن المدفون ليس اماما صالحا ولا وليا ناصحا بل حمارا نافقا! فرد عليه الآخر: يبدو أنك نسيت أننا دفناه معا! فذهبت مقولته مثلا!

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top