سجون الدنيا ونارها

بالرغم مما تدعيه وسائل الإعلام اللبنانية والمصرية والكويتية والتونسية والمغربية وغيرها من ارتفاع سقف الحريات فيها مقارنة بالبقية، وهذا صحيح إلى حد ما، فإن هذه الحرية النسبية لم تجعل تلك الدول أفضل من غيرها في عدد المفكرين البارزين، واعتقد، وقد اكون على خطأ، بأن عدد هؤلاء في السعودية، آخذين في الاعتبار نسبية الأمور وظروف المملكة الثقافية والعلمية، أكبر مما هو معلوم بكثير، فهذا ما يمكن تحسسه، وقد سعدت بمعرفة عدد من هؤلاء، وعلى اتصال مباشر بغيرهم.

وبالتالي ما نراه على الساحة السعودية حاليا، وتحرك بطيء باتجاه الدعوة للانفتاح، بدأ يؤتي أكله. وربما ما ذكره أخيرا داود الشريان، مقدم البرامج الناجح، على قناة mbc، عن «شيوخ الفتنة» يصب في هذا الاتجاه. نقول هذا بالرغم من امتعاضنا من سكوته وغيره الذي طال، على تصرفات «شيوخ الفتنة»، والذي حذرنا من خطرهم على مدى عشرين عاما، وبدأت جهودنا وجهود غيرنا تؤتي أكلها. فقد قام الشريان، وللمرة الأولى من خلال مؤسسة قريبة من السلطة، بتسليط الضوء على الضحايا الذين غرّر بهم رجال دين الفتنة، وجعلوهم وقودا في عدة حروب أهليّة شرسة، وقام في برنامجه بتوجيه اتهام صريح لمجموعة من رجال الدين حددهم بالأسماء، بالتغرير بالشباب السعودي وإرسالهم إلى حروب سخيفة وشرسة، وطالبهم بان يذهبوا بأنفسهم إلى الجنة، وان فعلوا فسيلحقهم! واضاف: إن «المجتمع (السعودي» لازم يحاسبكم، المجتمع لازم يسائلكم، أنتم من غررتم بأولادنا.. وأفلتّم من العقاب في أفغانستان، وأفلتّم في العراق، وفي سوريا المفروض ألا تفلتوا»!

إن هذا التحول في «الفكر الإعلامي» السعودي إشارة مهمة لإيصال رسالة للرأي العام السعودي، والمجموعات التي تقوم بالدور الأكبر في تمويل الحركات الإرهابية، أو هكذا يقال، هذا غير دور مخابرات هذه الدول!

لطالما حذرنا من أحاديث هؤلاء الذين لم نتوقف يوما عن وصفنا لهم بالعلماء، تاركين الألقاب الأكثر تواضعا للعلماء الحقيقيين، على قلتهم في مجتمعاتنا!

نتمنى أن تشمل «ظاهرة الشريان» بقية إعلاميي السعودية، وان تمتد الظاهرة لتشمل الكويت، لنجابه المدعّين بالعلم الذين حققوا الملايين لأنفسهم من خلال إرسال فلذات أكباد عشرات آلاف الأمهات إلى حتفهم، من دون نتيجة تذكر، فمآل كل هؤلاء، وحركاتهم المتشددة، نار الدنيا وغياهب سجونها.

الارشيف

Back to Top