التوقف عن القراءة والكتابة

بعد أكثر من ستين عاماً من القراءة اليومية المتواصلة، سنتوقف مضطرين، لفترة قصيرة، لنضع بصرنا، وربما بصيرتنا، تحت يد الدكتورة صبرية الصالح، خاضعين، بحكم السن والزمن، لعملية جراحية صغيرة في العين.

* * *

ولدت في بيئة قارئة، فقد كان عمي في البيت يقرأ، وكان جدي يقرأ، وخير ما كسبته منهما ومن والدي عادة القراءة، حيث كانت الكتب في بيتنا الكبير تمثل جزءا من الديكور، ولو أن الكلمة «تخب» على أثاثه المتواضع. وكانت الصحف المصرية في الخمسينات تصلنا، وإن متأخرة كثيراً، بسبب عدم انتظام وسائل النقل وقلَّتها.

وأتذكر أنني مررت بأول تجربة حرمان من القراءة، وبالتالي من النوم، لأيام عندما وجدت نفسي قابعاً في زنزانة 7 نجوم، في أحد سجون البصرة، بتهمة التهريب الجمركي، ومساعدة «العدو الإسرائيلي» في إضعاف مقاومة الفلسطينيين للاحتلال! حدث ذلك بعد فترة قصيرة من حرب 1967. وبالرغم من قصر فترة السجن وبراءة ساحتي من التهمتين، فإنها كانت فترة قاسية، وهذا ما سنأتي على ذكره في مقال قادم.

جو السجن كان أبعد ما يكون عن الرفاهية التي كنت أنعم بها في بيت أهلي، ولكن مشكلتي كانت في عدم قدرتي على النوم، إن لم يسبق ذلك قراءة نص ما. ولم تكن مكتبة أكسفورد حينها، ولا اليوم، ملحقة بالسجن. كما أن جوه الخشن، ومستوى «الزملاء النزلاء» لم يسمحا لي بـ«التفلسف»، والرد على تساؤلاتهم عن سبب بقائي يقظاً لساعات متأخرة، بأنني بحاجة إلى قراءة كتاب لكي أغفو، فذلك كان سيثير سخريتهم، هذا إن صدقوا روايتي أصلا.

وفي الحالة الثانية التي حُرمت فيها من القراءة كانت عندما وجدت نفسي في غرفة أحد فنادق لندن، واكتشفت متأخراً أنني نسيت أن أحضر كتاباً معي! فبقيت الليل أقلّب في دليل the yellow pages الذي تصفحته على مدى ساعة من الغلاف إلى الغلاف، وكان يزن 3 كيلوغرامات حينها، قبل أن أخلد الى النوم.

أقنعتني تلك التجربة المريرة بألا أكون عبداً أو خاضعاً لأي عادة سيئة أو حتى جيدة. فالقراءة عادة جيدة، وكذلك الحال مع تنظيف الأسنان والنوم أو الاستيقاظ المبكر، أو النوم في غرفة مظلمة، أو في غرفة هادئة، فالاعتياد على هذه الأمور قد يكون جيداً، ولكن ما العمل إن غابت، لسبب أو لآخر؟ هنا يصبح التأقلم مع الوضع الجديد صعباً. وبالتالي من الأفضل أن ندرّ.ب أنفسنا على التأقلم مع كل وضع جديد وعدم الخضوع لأي عادة، مهما كانت حسنة، فما بالك بالسيئة!

على أي حال، نطمئن محبي قراءة مقالاتنا، وحتى كارهيها، وهم الأكثر، أن القبس ستستمر، خلال فترة السبات، في نشر مقالاتي من المخزون لديها.


أحمد الصراف

 

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top