كلام لا نريد سماعه (2 ــــ 2)

وقال إبراهيم البليهي ــــ عن عبارة تقول إن دخول العرب التاريخ هو دخول إعاقة وليس دخول إضافة ــــ إن هذا يعني أننا لو أصغينا إلى الأخبار لرأينا بوضوح أننا أصبحنا معيقين لمسيرة الحضارة الإنسانية بشكل مرعب، فكل أخبارنا عنف وقتل وقصف ومذابح بالجملة ومقابر جماعية وجهالات مستشرية وانتفاش فارغ، ومع هذا نحن واثقون بأننا الطاهرون، أما بقية البشر فأتباع الشيطان.
ولو راجعنا تاريخ الحضارة وأمعنا النظر في القيم التي كانت سائدة في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد في عهد بركليس مثلاً، وكذلك تاريخ الرومان في عصورهم الأولى الزاهرة، لرأينا أن الحضارة تقهقرت بشكل حاد في قيمة الإنسان وحرياته وكرامته، وكذلك في نمط الحكم وهيمنة الحاكم الفرد بشكل مطلق ومفرط، وبذلك تم تهميش الإنسان فبات مجرد وسيلة لا قيمة له في ذاته.
نمط الحكم الذي ساد في التاريخ العربي منذ انتهاء الخلافة الراشدة هو نمط استبدادي مفرط لا سابق له في أنماط الحكم، فقبل ذلك كانت الدول فيها مجالس حكم وما يشبه البرلمانات، وكان الحاكم الروماني محدد المدة ومحدد الصلاحيات مثل الأمم الديموقراطية تقريباً، وكان يُسمَّى المستشار، وما زالت ألمانيا تستخدم نفس الاسم؛ فرئيس الحكومة في ألمانيا يسمى «مستشارا». فما يميز مجتمعاً متقدماً عن مجتمع متخلف هو نمط الحكم فهو قائد قاطرة المجتمع.
تجربة الانتفاضات العربية أكدت أننا مغايرون لكل الأمم، وأننا لا نستطيع الاتفاق، وأن انحلال السلطة يؤدي إلى غوغائية بشعة وفوضى مهلكة وتدمير شامل.
وفي سؤال عن كونه مهموماً بمشاكل العرب والمسلمين، البعض يعتبرونه شعوبيا، حين وصف العرب بالأضحوكة ويعتبره جلاداً لذوي التوجهات القومية ومستهتراً بالقضايا العربية، فكيف ينفي ذلك؟ أجاب: لو راجعت ما أكتبه لوجدته نقداً لكل البشر ولجميع الثقافات. قبل 20 عاماً كنت أوجه النقد للثقافة العربية وليس للعرب، فقد اقتنعت بأن الثقافة العربية غير قابلة للتغير ولا للتحضر. ثم اكتشفت أن البشر في كل الأمم ما زلوا يعيشون بوعي زائف وأن الفرق بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة لا يعود لوعي الناس بل يعود لاتجاه حركة المجتمع ونوع مركبته الثقافية والسياسية.
لذلك، فإن مشروعي الفكري ينطلق من رؤية إنسانية محضة ويتجه إلى الإنسان أينما كان، فلست أحلل العقل العربي بل العقل البشري.
وعن شغفه بالقراءة والكتاب قال: اقتناء الكتب ليس شغفا بمتعة القراءة فقط، بل شغف الباحث الظمآن المتعطش لاكتشاف مواطن الخلل ومكمن الحقيقة في الواقع. وأستشرف الحلم العظيم الذي تنعتق فيه البشرية من التعصّب والجهل المركب والصراع والحروب. أعيش مع حكماء الإنسانية أسائلهم وأقارن بين أفكارهم وحكمتهم، فالرحلة مع الكتاب هي الفكر، وهي الفهم وهي الحكمة، وهي السير الدائم نحو المزيد من الإدراك، وهي التجليات الجمالية والإبداعية. لذلك، أعيش بين الكتب، فبيتي كله مكتبة حتى سرير نومي تحيط به دواليب الكتب، وأعتقد أن المحرومين من العيش مع الكتب محرومون من معنى الحياة، فدماغ الإنسان جهاز معرفة، فإذا لم تشغله بالبحث شغلك بالملل والضجر والسآمة.
أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top