قلم الغرافيت وأشجار المطاط

تعمل كل شعوب الأرض تقريباً، بعلمها أو بغير ذلك، بتناغم لكي تفيد وتستفيد. ويتمثل هذا التناغم، أو التنسيق اللاإرادي غالباً، بشكل أساسي في الصناعات التي تتطلب مواد لا تتوافر غالباً في دولة واحدة منها. ولو أخذنا مادة بسيطة كالقلم الرصاص، وهي تسمية خاطئة، لوجدنا أنه ليست هناك دولة بإمكانها صنعه بمفردها. فقلم الرصاص المصنوع في فرنسا مثلاً تطلب خشباً من غابات في كندا. وقطعها تطلب منشاراً فولاذياً، وحديد المنشار تطلب مواد خام من إنكلترا. كما تطلب نقل الخشب مركبات ضخمة مصنوعة ربما في أميركا. ولو نظرنا إلى رأس القلم، وهو بالمناسبة مصنوع من مادة الغرافيت، وليس الرصاص، لوجدنا أنها تستخرج من مناجم في أميركا الجنوبية. أما ممحاة القلم، فغالباً ما تكون من المطاط الذي يتم جلبه من ماليزيا. أما الطوق النحاسي والألوان والأصباغ المستخدمة في جعل القلم متماسكاً وجميلاً وسهل الاستخدام، فقد أتت أيضاً من مصادر متعددة. وهكذا نجد بالتالي أن منتجاً بسيطاً، لا يعيره الكثيرون أهمية، شارك الآلاف في صنعه، وهم غالباً لا يعرفون بعضهم بعضاً، ولا يتحدثون بلغة واحدة، ولا يدينون بالضرورة بنفس الدين، وقد يكونون معادين سياسياً بعضهم لبعض. وعندما نبذل الجهد والمال لشراء القلم، فإننا في الواقع ندفع مقابل ثوان معدودة من وقت كل هؤلاء البشر الذين اشتركوا في صنع ذلك القلم الذي لم يدفعهم لصنعه أمر رئاسي أو تعسفي، بل بدافع عملية السعر أو الأثمنة the magic of price system الذي جعل الجميع يتعاونون، من دون تنسيق مسبق، لصنع القلم، مقابل مبلغ زهيد جداً، وهو ما تفرضه آلية السوق الحر، الضرورية للغاية، ليس فقط لدفع قيمة الشيء، بل وأيضاً لخلق التناغم بين شعوب العالم.
إن كل ما ندعيه من قوة وعظمة وفخر بالأصل والحضارة، والتاريخ، والعقيدة، لا يؤهلنا، لا اليوم ولا غداً، لصنع قلم واحد، بسعر تنافسي.
وبمناسبة ذكر المطاط، فقد أخبرني صاحب شركة ماليزية متخصصة في تطوير واستغلال أشجار المطاط، وهو ماليزي من أصل صيني، أن جده الذي أسس المصنع في أربعينات القرن الماضي، كان يستخدم آلاف الماليزيين المسلمين، كموظفين وعمال. ولكن الشركة اضطرت، مع نهاية القرن الماضي، وبداية المد الديني، للتخلص من الكثيرين منهم، والمدربين جيداً، واستبدالهم بعمالة غير ماهرة من الصين، وكان الأمر محزناً حقاً له. والسبب أن النشاط الدعوي الذي قامت به جمعيات دينية مدعومة بالمال والدعاة من إقليمنا، والتي عملت خيراً ببناء ما تحتاجه القرى والمدن النائية، ومزارع المطاط الشاسعة بالذات، من مساجد، ولكنها تسببت في النهاية في الإضرار بهم، بعد أن أصبحوا عبئاً على الجهات التي يعملون بها، لتكرار توقفهم عن العمل أكثر من مرة في اليوم لأداء الصلاة. وكان الأمر محمولاً إن كانت المساجد قريبة، ولكن مع قيام عشرات آلاف العمال بترك أعمالهم وحقولهم لأكثر من ساعتين في اليوم، فقد أصبح الموضوع خارج نطاق السيطرة، وتطلب الأمر استبدالهم بعمالة أكثر إنتاجية.
أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top