صناعة وطن جميل ومواطن حر

أعتقد أن لجنة الظواهر السلبية في مجلس الأمة هي نكتة سمجة، يراد منها تشتيت الأنظار عن القضايا المهمة، والتركيز في الغالب على توافه الأمور.
يريد أعضاء اللجنة، أو غالبيتهم، محاربة الفساد في المجتمع، الذي يتمثل بنظر هؤلاء بذراع مكشوفة لامرأة، أو خصلة ظاهرة من شعرها، أو في اختلاط الرجال بالنساء في الأماكن العامة والخاصة، أو صورة امرأة في بوستر، والمرأة في كل الأحوال هي القاسم المشترك لكل اهتماماتهم وسقيم أفكارهم.
ماذا عن تردي التعليم؟ لماذا لا يعتبره هؤلاء ظاهرة سلبية ويحاولون إصلاحها، بدلا من الاهتمام بشكل فتاة، أو مكياج امرأة؟
ماذا عن انتشار الفساد الإداري والمالي في كل مرافق الدولة؟ ولماذا تكون محاربته أقل أهمية، خلقياً، من جلوس طالب وطالبة في كافتيريا جامعة؟
ولماذا لا يلفت نظرهم اختلاط المتسولين، من الجنسين، بعضهم ببعض؟ أو لماذا هناك متسولون، ومن الأطفال، أصلا في بلد غني؟ وماذا عن قضية عشرات آلاف «البدون»؟ ولماذا تتزايد حالات وفاة الشباب من جرعات المخدرات الزائدة؟
ولماذا هم صم بكم أمام قيام جمعية بتشغيل 150 مطعماً وكافتيريا وحانوتاً في كل مستشفيات الكويت من دون ترخيص ولا رقابة صحية ولا رقابة عمالية؟ ألا تمثل مخالفاتهم الهائلة ظاهرة سلبية لها أسوأ الأثر في أخلاقيات الشباب الباحثين عن عمل شريف؟
لماذا سكوت اللجنة، وغالبية أعضائها، عن المئات من مظاهر الفساد الأخرى، التي لا يتسع المجال لحصرها، ومنها العدد الكبير من زرائب الماشية المسجلة كملكيات للكثير من كبار موظفي الدولة، وموظفي المجلس، وأعضائه، وحفنة من الوزراء؟
لماذا أصبحت الغالبية تتقبل الفساد والمخالفات بكل «رحابة صدر»، وكأنه جزء من حياتنا؟
لماذا أصبحنا نتقبل السكوت عن الخطأ، ولو كان جسيما؟ لماذا لا نطالب بحقوقنا، ونسكت عن الحق؟ لماذا نصدق كل ما نقرأه على وسائل التواصل، ونعيد إرسال الرسائل نفسها، من دون تفكير، وننشر الكذب والخراب في المجتمع؟
لماذا لا نبلّغ عن مرتكبي الجرائم، أو حتى الجنح، ولو كانت تتمثل في وقوف سيارة في المكان الخطأ؟
لماذا نهز رؤوسنا بالموافقة، عندما يخبرنا داعية أن النحل هاجم لاعبي كرة قدم، لأنها لعبة كفّار، ولا نتساءل لماذا لم يهاجم النحل الاستعمار والصهيونية، ومروجي المخدرات وعصابات السرقة وغيرهم؟
السبب هو الجهل. فالجهل مصيبة كل فرد ومجتمع ووطن، والجهل لا يزول من تلقاء نفسه، بل يتم التغلب عليه بالتعليم الجاد، وبتشجيع الطلبة على القراءة الحرة، والاطلاع على كل ثقافات الشعوب، ومعايشة حضاراتهم، والتعرف على دياناتهم، من دون قيود أو حدود، وهذا لا يأتي بغير التنشئة الجدية والتربية والتعليم، التي لا تتحقق بغير إيمان الدولة بأن القضاء على الجهل هو هدفها الأول، فإن قضينا على الجهل خلقنا مواطنا مميزاً، فأفضل مواطني العالم هم أقلهم جهلاً، والعكس صحيح!

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top