الاتجاه الخاطئ

ابتُليت مجتمعات العالم أجمع بنوعيات معينة من رجال الدين، الذين لم يتخلص العالم المتحضر من تخلفهم وجبروتهم وتحكمهم في مصائر شعوبهم إلا في القرون القليلة الماضية، بعد فك ارتباط الكنيسة، أو المؤسسة الدينية، في تلك الدول عن الدولة، ونتج عن ذلك انطلاق العقل البشري فيها لآفاق لم يكن يتخيلها أحد، وكانت بحق ثورة شملت كل المجالات الاجتماعية والعلمية والطبية والفلسفية وغيرها، وكل ذلك ما كان يمكن أن يتحقق لو استمر تحكم رجال الدين، بالتعاون مع الطغاة، وبدعم سياسي ومادي كبير منهم، في مصائر تلك الشعوب، واستمرار تعصبها الديني وتخلفها.
عرف رجال الدين، والمسلمون منهم بالذات، أن أقصى أماني أي مسلم هو بلوغ الجنة، من خلال كسب رضا الخالق، وهذا لا يمكن تحقيقه بغير القيام بواجبات دينية طوال حياة الإنسان، ومنها القيام بفريضة الجهاد، أو القتال في سبيل الله.
كما عرف رجال الدين أيضاً مدى توق الذكور من الشباب المسلم، المحروم من كل شيء، لحلم الفوز بالحور العين في الآخرة، وبيّنوا أن ذلك لن يتحقق بغير تلقي الشهادة في ساحات القتال، فقاموا بتشغيل الآلة الإعلامية الدينية، المتمثلة بالتكيات ومنابر المساجد والقنوات الدينية والصحافة في العديد من الدول الإسلامية، لتزيين انخراطهم في القتال والموت في أفغانستان والشيشان وكوسوفو وسوريا والعراق وليبيا وغيرها، وكيف أن الشهادة ستعجل بلقاء الحور العين، فنتج عن ذلك موت عشرات آلاف الشباب وتخريب بيوت، وفناء قرى ومدن، وحرق مليارات الهكتارات من الأراضي الزراعية، وغير ذلك من خسائر بشرية ومادية وأخلاقية لا تحصى.
وفجأة، اكتشف نفس الدعاة الذين سبق أن «فهموا» الشباب الجائع للجنس والمحروم من الحب أن أملهم في الجنة، الذي كان يتطلب الشهادة، أصبح أكثر سهولة، ويمكن أن يتحقق من دون إراقة نقطة دم واحدة. ففي حديث لواحد من أكثر رجال الدين شهرة وتأثيراً، ورابط كلمته متوافر لدينا لمن يرغب بالاستماع إليه، يقول بالحرف: أنا أقول لكم وأبشكركم وأقولها من خلال قناة.. واسمعوها مني يا إخوتي وأخواتي، أبنائي وبناتي، عن «عبادة بن الصامت»، كما ورد في صحيحي البخاري ومسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، بروح منه، وأن الجنة حق والنار حق.. أدخله الله الجنة مع ما كان من عمله!
فإذا كان كلام هذا «الداعية» صحيحاً، فلِمَ كل ذلك التحريض وكل تلك الضحايا، وكل ذلك القتال والسبي والجلد والحرق وحرمان الملايين من حقوقهم كبشر وتفجير الكنائس وحرق المساجد وتفخيخ دور العبادة وتخريب اقتصادات عشرات الدول الإسلامية وغيرها، وتشريد عشرات الملايين من بيوتهم، وقتل الأطفال والتمثيل بالجثث، وكل هذا الإجرام بهدف الوصول إلى الجنة، وبلوغها لم يكن يتطلب أصلاً غير تكرار دعاء سهل الحفظ؟
لماذا ترك هذا الشيخ، وغيره، ملايين الشباب العرب، الباحثين عن الجنة، إلى مصيرهم المظلم، في الوقت الذي كان يعرف فيه بوجود طريق أقصر وأسهل للوصل من الجنة بقتل الآخر والنفس؟.. أسئلة نتركها لفطنة القارئ!

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top