التغريدة المسيئة جداً

«.. أشبعْنا العالم تفاخراً بأصولنا.. وأشبعَنا العالم ضربات على رؤوسنا»

***

كتب أحد مدرسي جامعة الكويت، الذي كنا نتوسم فيه الخير في إصلاح الكثير من الأمور المعوجّة، التغريدة التالية: «نحن نتمسك بعراقتنا ونتغنى بأمجادنا، وخوفنا على هذا الوطن كخوفنا على أبنائنا وفلذة أكبادنا.. أما الكائنات المنحدرة من سمكة معروفين هم الذين وصلوا إلى هذا الوطن بغفلة من الزمن مستخدمين السمكة قصدي المراكب والطراريد». سنتجاوز ركاكة لغة التغريدة، الصادرة عن أكاديمي نصَّب نفسه للدفاع عن جودة التعليم، فهذا أمر يعود له، ولكن من السخف تباهي البعض بأمور تتعلق بالجنس والأصل والعرق، ونقاء الدم والأمجاد، فكلها أمور لا دور ولا دخل للفرد فيها أصلاً، ويفشل هؤلاء في الوقت نفسه في تحقيق أي إنجاز يمكن التباهي به ويتعلق بصميم عملهم أو دورهم كمواطنين أو بشر أسوياء. ذكرتني تغريدة صاحبنا بما سبق أن ورد في كتاب هتلر «كفاحي» mein kampf الذي وضع فيه الجنس الآري، وعلى رأسهم الألمان والفرس، جماعة السمكة نفسها، على قمة الأعراق في العالم، وتطلب قيام حرب عالمية لقي فيها أكثر من 60 مليوناً من البشر حياتهم لإثبات هراء ما ادعاه، فليس هناك عرق أفضل من غيره. ويقول عالم السلالات البشرية سوابان ماليك، الاختصاصي في علم الوراثة بجامعة هارفارد، ومؤلف ورقة علمية تكشف عن أحدث ما جرى التوصل إليه بشأن قصة البشرية على أساس الحمض النووي: نحن لا نستخدم مصطلح عرق أبدا. نحن جميعًا جزء من نسيج الإنسانية، ومن المثير للاهتمام معرفة كيف وصلنا إلى هذه النقطة، ولا يعني ذلك إنكار اختلاف الناس في أمور عدة، كلون البشرة، أو طبيعة الشعر، أو الطول والقصر، فما يحدد ذلك هو قوة ضوء الشمس، ومناخ المناطق التي عاش بها أسلاف الشخص. وبإمكان أي إنسان التوصل لمعرفة أصله من خلال اختبارات اللعاب وغيرها. أما التغني بنقاء العرق والأصالة، فليس أكثر من هراء، ولا يستحق الجدال فيه، فالسجون ومضابط المحاكم في أي دولة تبين أن نقاء الأصل أو العرق، حسب ادعاء البعض، لم يحصنهم من أن يكونوا كذبة ومحتالين وسراقاً. لا أدري الذي استفاد منه أي وطن من عراقة أصله؟ هل كانوا أكثر إنتاجية من غيرهم مثلا، أو أكثر حصولا على الميداليات الرياضية مقارنة بغيرهم، أو أكثر تسجيلا لبراءات الاختراعات مثلا؟ كما سأكون حقاً سعيدا لو أثبت لنا مغردنا العنصري أن التغني بالأمجاد قد حقق للكويت، الوطن، شيئا لم يستطع غيرهم تحقيقه!! كما أنه ليس هناك دليل واحد على أن الذين ضحوا بأرواحهم كانوا في غالبيتهم من المغردين بـ«عظمة أصولهم»! كما لا أدري بالفعل ما الذي قصده بافتخاره بعظمة أصوله؟ هل هناك أصل عظيم وآخر «واطي»، وكيف يمكن قياس الأصل؟ وهل تمكن معرفة عظمة أصل شخص ما من سيرته أو شكله أو طول عباءته، أم من ناتج عمله وما أعطاه لوطنه وأمته من خدمات؟ وما مناسبة هذا التفاخر السخيف والمفاجئ بـ«عظمة الأصل»، وهل طرأ أمر لا نعرفه، بحيث دفع صاحبنا الى إرسال تلك التغريدة الممجوجة؟ وأخيراً، كلنا أبناء وطن واحد، ولا يفرق بيننا شيء غير مقدار ما يقدمه كل فرد منا لهذا الوطن من خدمات وتضحيات، وغير ذلك، علميا وذوقا، هو والعدم سواء.

الحديث ذو شجون، ويطول الخوض فيه.

أحمد الصراف 



زوار الموقع
الارشيف

Back to Top