ابن عيسى الكبير

تلقيت نوعين من العتاب على مقالَي يومَي الأربعاء والخميس، اللذين تعلّق موضوعهما بخلفيات تأسيس المدرسة المباركية، وكيف أنني أغفلت فيهما التطرق لدور «يوسف بن عيسى القناعي» في تأسيس المدرسة. رفضت العتاب غير اللائق منه، لاقتناعي بعدم ارتكابي لخطيئة مثلا لكي أعاتب بتلك الطريقة. وتقبلت بسرور الرقيق منه فكان هذا المقال، وهو أصلا لا يمثل تدوينا للتاريخ، ولا مرجعا، بل يبقى كلاما مرسلا في غالبه.

***

ورد في المصادر أن فكرة إنشاء المباركية كان وراءها، بغير تنسيق مسبق، ثلاث شخصيات، يوسف بن عيسى القناعي والشيخ ناصر المبارك الصباح وياسين الطبطبائي، وكان الأخير أول من أثار الفكرة في خطبة ألقاها في مارس 1910، فتأثر بها يوسف بن عيسى، فكتب مقالا تحدث فيه عن أهمية العلم والحاجة للمدارس، فتشكلت لجنة برئاسة الشيخ ناصر المبارك الصباح للاهتمام بتنفيذ الفكرة وجمع التبرعات لها. ***

تمكنت اللجنة من جمع ما يقارب الثلاثين ألف روبية، أي ما يعادل 2300 دينار، وكانت بحاجة الى ثمانين ألف روبية للشروع في البناء. كاد المشروع ان يفشل لولا اقتراح اللجوء الى الأخوين قاسم وعبدالرحمن الإبراهيم، في الهند، حيث تبرع الأول بثلاثين ألف روبية، والثاني بعشرين ألف روبية. كما تبرعت عائلتا خالد الخضير والخالد ببيتين لإقامة المدرسة على أنقاضهما. وقام تاليا الشيخ يوسف بن عيسى بشراء بيتين آخرين بقيمة 4000 روبية لتقوم المدرسة على مساحة أربعة بيوت، في قلب العاصمة، كما تم تشكيل مجلس للاهتمام بالإنفاق عليها من عضوية حمد الخالد وشملان بن علي وأحمد محمد الحميضي. كانت الدراسة مجانية، ولكن فرضت رسوم للالتحاق بها تدفع مرة واحدة، وكانت 2 روبية للطلبة ميسوري الحال، وروبية لمتوسطي الحال، ومجاناً لأبناء الفقراء، والروبية كانت تساوي 75 فلسا. وعين الشيخ القاضي «يوسف بن عيسى القناعي» ناظرا لها، وكانت رواتب العاملين تتراوح بين 20 و100 روبية، وأعلاها للمدير.

***

تدهورت أحوال المدرسة تاليا مع شبه الحصار التجاري، الذي فرضته نجد على الكويت في عام 1923، وبلوغ الكساد العالمي، الذي ضرب أميركا، ذروته عام 1929، وانهيار أسعار اللؤلؤ الطبيعي، فأدى كل ذلك الى شح موارد المدرسة وإغلاقها، قبل أن تقوم الحكومة، بعدها بشهرين، ومن خلال مجلس المعارف بالعناية بها لتنتقل أموالها النقدية لها مع عقاراتها التي كانت عبارة عن محال وسفينة صيد.

***

لم يكن الشيخ يوسف شخصية عادية، بكل مقاييس عصره، ويكفي أنه كُفر من بعض مشايخ نجد بسبب آرائه التقدمية، بالرغم من أنه رجل دين وقاض شرعي. فدوره الحيوي في تأسيس المباركية وإدارتها لا ينسى، فهي التي نقلت التعليم من البدائية إلى العصرية والتقدم. كما كان أول ناظر للمدرسة الأحمدية (1921)، وأول من طالب حاكم الكويت حينها بتأسيس بلدية الكويت، وانتخب عضوا فيها (1932)، كما عُين عضوا في مجلس الأوقاف (1949). وكان من أوائل من دعا الى التوسع في قراءة وطباعة الكتب، وتعليم العلوم العصرية، ومن أوائل من دعا، مع قلة من المستنيرين، الى توفير التعليم للمرأة.

***

ومن الأمور الجميلة التي استرعت نظري مبكراً في سيرة الشيخ يوسف بن عيسى، ومن واقع خبرتي المصرفية، أنه كان كريماً وعفيف النفس. فبالرغم من أنه عاصر وعمل مع ثلاثة من كبار حكام الكويت، بدءاً من الشيخ مبارك الصباح، وإلى الشيخ عبدالله السالم، مروراً بالشيخ أحمد الجابر، ومع قربه منهم، و«ميانته» عليهم، فإنه لم يعرف عنه أنه طلب يوماً من أي منهم شيئاً لنفسه. 

أحمد الصراف

a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top