أثر الحروب الصليبية في نفسياتنا (1 - 2)

تاريخياً، كان الرهبان والرواة والرحالة المسيحيون الأكثر اهتماماً بتدوين تاريخ المنطقة، منذ أن وُجدوا. وكل ما لم يرد ذكره في كتبهم، يخيم الشك الكبير عليه.

لذا، يعتبر الكاتب والمفكر الفرنسي، الماروني اللبناني الأصل أمين معلوف، عضو الأكاديمية الفرنسية، من أفضل من كتب عن تاريخ «الحروب الصليبية»، بحيادية، مستعيناً بمصادره، ومن وجهة نظر المؤرخين العرب القدماء أساساً، وهو كتاب جدير بالقراءة.

يقول في خاتمة كتابه القيم «الحروب الصليبية.. كما رأها العرب»، التي بدأت في نوفمبر 1095 إثر خطبةٍ ألقاها البابا أوربان الثاني في حشود المجتمعين بمؤتمر ديني في فرنسا، ووصل عددها لنحو 8 حملات عسكرية بين 1096 و1291، وهو العام الذي سقطت فيه مدينة عكا آخر الإمارات الصليبية بالمشرق، وكيف أن دولة الخلافة العباسية كانت خلالها في عصرها الأغنى والأقوى، ومركز الحضارات، حيث كان فيها ألف طبيب ومستشفى مجاني، وخدمة بريد ومصارف، ومصنع ورق، وتعلم الغربيون الكثير منها، من كتابة على الورق، وفنون صناعته. وإن العالم العربي حاز، فى النهاية وفي الظاهر، نصراً مبيناً على الصليبيين، وبدا وكأن المسلمين سوف ينطلقون لغزو أوروبا تحت الراية العثمانية، بعد أن وقعت القسطنطينية فى قبضتهم عام 1529 م كان فرسانهم يعسكرون تحت أسوار فيينا، ولكن تلك لم تكن إلا فترة قصيرة، فقد بقي العالم العربي، في عهد الحروب الصليبية، من العراق وإلى اسبانيا، فكرياً ومادياً خازن أرقى حضارة على وجه الأرض، لينتقل المركز بعدها إلى الغرب، لأن الحروب الصليبية أطلقت شرارة نهضة أوروبا الغربية، التي ستنجح بالتدريج للهيمنة على العالم، وإعلان موت حضارة العرب. فقد كان هؤلاء يشكون، حتى قبل هذه الحروب، من بعض العاهات التي برزت مع الوجود الصليبي، بعد فقد العرب المسلمين زمام أمورهم منذ القرن التاسع، بعد أن أصبح كل مسؤوليه، عملياً، من الغرباء، بخلاف بعض المؤرخين والقضاة وبعض الملوك المحليين، أما القابضون الحقيقيون على الحكم، وأبطال مجاهدة الفرنج الرئيسيون، أمثال زنكي ونورالدين وقطز وبيبرس وقلاوون، فقد كانوا أتراكاً، والأفضل كان أرمنياً، وشيركوه وصلاح الدين والعادل والكامل كانوا أكراداً، وكان رجال الدولة هؤلاء بالطبع قد تعرَّبوا ثقافياً وعاطفياً ولكن، كما رأينا في عام 1134، كان السلطان مسعود يناقش الخليفة المسترشد عبر ترجمان، لأن السلجوقي لم يكن يتكلم كلمة عربية واحدة حتى بعد ثمانين عاماً من استيلاء عشيرته على بغداد.

وإذ كان العرب محكومين ومضطهدين ومهانين وغرباء في عقر دارهم فإنهم لم يكونوا قادرين على إكمال تفتحهم الثقافي الذي بدأ في القرن السابع الميلادي، ولدى وصول الفرنج كانوا قد أصبحوا يراوحون مكانهم قانعين بالعيش على مكتسبات ماضيهم. وإذا كانوا لا يزالون متقدمين بشكل جلي على أولئك الغزاة الجدد في معظم الميادين فإن أفول نجمهم كان قد بدأ.

وإلى مقال الغد.

أحمد الصراف
a.alsarraf@alqabas.com.kw

الارشيف

Back to Top