سيدة لبنان.. وأسرار أثينا
تلقينا دعوة من الصديق سليم شبلاق، لحضور حفل زواج ابنه البكر في اليونان، وكانت أياماً ثلاثة رائعة، وكانت فرصة للتعرّف أكثر على اليونان، وعلى الرغم من كل ما اشتهرت به من جمال طبيعي وحضارة رائعة، فإنها أصبحت مع الوقت في ذيل الدول الأوروبية، وكادت تعلن إفلاسها لولا مسارعة ألمانيا لإنقاذها، مقابل شروط قاسية.
كانت اليونان مهد الحضارة الغربية والديموقراطية والفلسفة الغربية والمسرح، وأم الألعاب الأولمبية. وتراثها، حتى بعد 2500 عام، لا يزال مؤثراً، عالمياً، في الفن والأدب والسياسة والثقافة. وكانت أثينا، بأهميتها التاريخية والثقافية الاستثنائية، المدينة الدولة، مصدر الفنون والثقافة والديموقراطية، ولا تزال معالمها الشهيرة، كالأكروبوليس والبارثينون، تشكل رمزاً عالمياً للروح والحضارة الكلاسيكية.
اشتقّ اسم «أثينا» من آلهة الحكمة والحرب عند الإغريق القدماء، التي كانت تُعتبر راعيةً للمدينة، ويلفظ الاسم ويكتب في الفرنسية والإنكليزية بصيغة الجمع athens، وحرف الأس s يعود إلى أن الاسم كان أساساً جمعاً، إلا أنه في اليونانية الحديثة يعتبر مفرداً.
بخلاف آلاف العواصم والمدن الكبرى، التي تقع جميعها على نهر أو بحر، فإن أثينا خالفتها، والسبب أن المدينة تطورت حول «الأكروبوليس»، التل الدفاعي الطبيعي المطل على سهل كيفيسيوس الخصيب، لكنه يبعد حوالي 20 كلم عن البحر، وهذا منحها موقعاً حربياً منيعاً، وربما كان حينها أكثر أهمية من النهر والساحل، وكان لها تنفسها البحري من خلال ميناء بيرايوس القريب، بوابتها البحرية، قديماً وحديثاً.
تشتهر اليونان، تاريخياً، بكونها دولة معادية للسامية، وهذا يعود إلى مسيحيتهم المعادية لليهود ولموقفهم المشين خلال سنوات الاحتلال العثماني لليونان (1453–1833)، وإثرائهم من تعاونهم معهم، وحتى عندما تأسست إسرائيل، عام 1948، فقد اتخذت اليونان موقفاً مؤيداً للعرب طوال الصراعات المبكرة. كما كانت لليونان علاقات وثيقة جداً مع معظم أعداء إسرائيل التاريخيين من العرب، إضافة إلى تاريخ مشترك طويل، كما كانت هناك جاليات يونانية كبيرة ومزدهرة في لبنان ومصر. إضافة إلى ذلك، اتخذت اليونان موقفاً سلبياً من إسرائيل، لموقف الأخيرة الودي تجاه تركيا، الدولة التي تكرهها اليونان، بسبب تاريخها المظلم معها، وتعتبرها عدواً محتملاً. كما تميل اليونان، بسبب الدين، أكثر من غيرها من الأوروبيات، إلى روسيا، لكن الجيل الجديد أصبح مع الوقت أقل معاداة للصهيونية.
لكن ما الذي حدث لدولة كانت يوماً مهد أفضل وأكثر الحضارات تأثيراً في التاريخ، وأدى إلى تراجعها؟ يعود ذلك إلى الحروب والصراعات القديمة بين أثينا وإسبرطة (431–404 قبل الميلاد) التي أضعفتها، وجعلتها عُرضةً للغزاة، وتسبب ذلك تالياً في تدهور اقتصادها، الذي يعتمد بقوة على التجارة بين المدن والمناطق المجاورة، وانخفاض عدد سكانها، فانهار اقتصادها ببطء، فاقمه عدم الاستقرار السياسي، وما أدى إليه موت الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد من تقسيم إمبراطوريته الشاسعة بين جنرالاته، ووقوع صراع داخلي أضعف وحدتها، وسهّل اجتياح جيوش الإمبراطورية الرومانية لها، وسقوطها اقتصادياً وسياسياً.
* * *
ملاحظة: أقامت سيدة كويتية معروفة حفل غداء لصديقاتها الكويتيات، وبينهن زوجتي، في أحد مطاعم بيروت. فوجئ الجميع بقيام السيدة الأولى، حرم رئيس جمهورية لبنان، التي تواجدت في ذلك المطعم، بترك طاولتها والذهاب إليهن والترحيب بهن في لبنان، في مبادرة تواضع جميلة، دلت على أن لبنان باقٍ بكل ما يعنيه من كرم وكرامة وعزّة نفس وجمال.
أحمد الصراف
كانت اليونان مهد الحضارة الغربية والديموقراطية والفلسفة الغربية والمسرح، وأم الألعاب الأولمبية. وتراثها، حتى بعد 2500 عام، لا يزال مؤثراً، عالمياً، في الفن والأدب والسياسة والثقافة. وكانت أثينا، بأهميتها التاريخية والثقافية الاستثنائية، المدينة الدولة، مصدر الفنون والثقافة والديموقراطية، ولا تزال معالمها الشهيرة، كالأكروبوليس والبارثينون، تشكل رمزاً عالمياً للروح والحضارة الكلاسيكية.
اشتقّ اسم «أثينا» من آلهة الحكمة والحرب عند الإغريق القدماء، التي كانت تُعتبر راعيةً للمدينة، ويلفظ الاسم ويكتب في الفرنسية والإنكليزية بصيغة الجمع athens، وحرف الأس s يعود إلى أن الاسم كان أساساً جمعاً، إلا أنه في اليونانية الحديثة يعتبر مفرداً.
بخلاف آلاف العواصم والمدن الكبرى، التي تقع جميعها على نهر أو بحر، فإن أثينا خالفتها، والسبب أن المدينة تطورت حول «الأكروبوليس»، التل الدفاعي الطبيعي المطل على سهل كيفيسيوس الخصيب، لكنه يبعد حوالي 20 كلم عن البحر، وهذا منحها موقعاً حربياً منيعاً، وربما كان حينها أكثر أهمية من النهر والساحل، وكان لها تنفسها البحري من خلال ميناء بيرايوس القريب، بوابتها البحرية، قديماً وحديثاً.
تشتهر اليونان، تاريخياً، بكونها دولة معادية للسامية، وهذا يعود إلى مسيحيتهم المعادية لليهود ولموقفهم المشين خلال سنوات الاحتلال العثماني لليونان (1453–1833)، وإثرائهم من تعاونهم معهم، وحتى عندما تأسست إسرائيل، عام 1948، فقد اتخذت اليونان موقفاً مؤيداً للعرب طوال الصراعات المبكرة. كما كانت لليونان علاقات وثيقة جداً مع معظم أعداء إسرائيل التاريخيين من العرب، إضافة إلى تاريخ مشترك طويل، كما كانت هناك جاليات يونانية كبيرة ومزدهرة في لبنان ومصر. إضافة إلى ذلك، اتخذت اليونان موقفاً سلبياً من إسرائيل، لموقف الأخيرة الودي تجاه تركيا، الدولة التي تكرهها اليونان، بسبب تاريخها المظلم معها، وتعتبرها عدواً محتملاً. كما تميل اليونان، بسبب الدين، أكثر من غيرها من الأوروبيات، إلى روسيا، لكن الجيل الجديد أصبح مع الوقت أقل معاداة للصهيونية.
لكن ما الذي حدث لدولة كانت يوماً مهد أفضل وأكثر الحضارات تأثيراً في التاريخ، وأدى إلى تراجعها؟ يعود ذلك إلى الحروب والصراعات القديمة بين أثينا وإسبرطة (431–404 قبل الميلاد) التي أضعفتها، وجعلتها عُرضةً للغزاة، وتسبب ذلك تالياً في تدهور اقتصادها، الذي يعتمد بقوة على التجارة بين المدن والمناطق المجاورة، وانخفاض عدد سكانها، فانهار اقتصادها ببطء، فاقمه عدم الاستقرار السياسي، وما أدى إليه موت الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد من تقسيم إمبراطوريته الشاسعة بين جنرالاته، ووقوع صراع داخلي أضعف وحدتها، وسهّل اجتياح جيوش الإمبراطورية الرومانية لها، وسقوطها اقتصادياً وسياسياً.
* * *
ملاحظة: أقامت سيدة كويتية معروفة حفل غداء لصديقاتها الكويتيات، وبينهن زوجتي، في أحد مطاعم بيروت. فوجئ الجميع بقيام السيدة الأولى، حرم رئيس جمهورية لبنان، التي تواجدت في ذلك المطعم، بترك طاولتها والذهاب إليهن والترحيب بهن في لبنان، في مبادرة تواضع جميلة، دلت على أن لبنان باقٍ بكل ما يعنيه من كرم وكرامة وعزّة نفس وجمال.
أحمد الصراف