واقعة «الشيك».. بالتواريخ والأسماء والأحداث
أكتب وأنا في كامل انسجامي، وإحساسي بالمسؤولية، وسأكون، كالعادة، في منتهى الامانة مع نفسي والقرّاء، لاسيما الذين يبحثون عن الحقيقة، بعيداً عن التشكيك غير المقرون بأدلة، وتنمّر المراهقين الفاشلين، حينما ينصبون الكمائن الوهمية للناجحين.
فاجأنا المجرم صدام باحتلاله لوطننا صباح 2 أغسطس 1990. قررت وزوجتي حينها البقاء. اكتشفنا أن شراذم صدام نهبوا الأدوية الضرورية جدا لابننا «طارق»، فقررنا اللجوء للسعودية، وبعد معاناة خطرة، انتهى بنا المطاف في شيراتون العليا في الرياض. وفي منتصف أغسطس التقيت بالسفير «أحمد الفهد»، وكان حينها مديرا لمكتب المرحوم الشيخ «صباح الأحمد»، فطلب مني أن أقوم بمساعدته في عملية تأثيث شقق عمارتين عاليتين في الرياض لسكن من اختار اللجوء للسعودية. لكن تبين بعدها، مع تزايد نزوح المواطنين، أن المهمة كبيرة، فقررت الحكومة في الطائف صرف مبالغ نقدية لكل «أسرة»، لتقوم بتدبير أمورها. وبالفعل، قام وزير الإسكان، الأخ يحيى السميط، ووزير آخر، بالدوران على دول مجلس التعاون وتسليم لجان التطوع شيكات، متفاوتة المبالغ، لصرفها على الكويتيين في مناطقهم، واستلمت منهم بالفعل شيكا بمبلغ 80 مليون دولار (وليس دينارا، كما ورد سهوا في المقابلة التلفزيونية الأخيرة) قمت بإيداعه لدى الراجحي، واتفقت مع السفير «عبدالرحمن البكر» على أن يكون الحساب مشتركا، باسمي واسم «حمد النخيلان»، علما بأن السفارة لم تكن لها علاقة مباشرة باللجنة ولا بأعمالها، غير ما يتطلبه تسهيل امورها، وكان اصلا يمنع اقتراب طالبي المعونة من أسوارها. وأشهد أن كل طلبات اللجنة، عن طريقها، من إمارة منطقة الرياض كانت تلبى فورا، ومنها إعطاؤنا ملعب الملز، بحالة جديدة، وقبل أن يستعمل حتى من قبل قيادة المملكة، مع توفير الحراسة لكل المداخل والمخارج. كما كان مصرف الراجحي أكثر من كرماء معنا، حيث قاموا بتحويل قيمة الشيك للريال سعودي بسعر أفضل مما توقعنا.
لم تكن المهمة سهلة على من تطوع للعمل، بعد أن امتلأت ممرات وأرض ملعب الملز، بعشرات آلاف المحتاجين للطعام والإيواء، خاصة أن الأمر كان يتطلب القيام بالكثير من الأمور اللوجستية والإدارية، قبل صرف أية شيكات إعاشة، خوفا من وقوع حالات تلاعب. زادت الشكاوى، والصراخ والمطالبة بالدفع، والضغط الشديد على بوابات الملعب الحديدية، وخوفا من انفلات الأمور، لم نجد مفرا من الرضوخ، وقبول أي مستند رسمي لصرف الإعانة، فظروف الحرب جعلت الكثيرين يغادرون الكويت على عجلة (والادعاء تاليا أنهم نسوا بطاقاتهم أو جوازات سفرهم وراءهم). أتاحت هذه الثغرة للكثير من «فاقدي الأمانة» التلاعب على لجان الصرف، سواء باستخدام مختلف الهويات، من إجازة قيادة أو جواز أو بطاقة مدنية، والحضور مرة بشخص الأب ومرة بالأم مع أبنائها، أو الأب مع بناته، وهكذا. بين نظام الكمبيوتر تاليا، أن آلاف المواطنين «نجحوا» في التلاعب على اللجنة لأكثر من 36 ألف اسم، وساهمت قلة خبرتنا، وضيق الوقت، والضغوط الإنسانية، وظروف الحرب، في زيادة عدد حالات الغش.
عانينا جميعا من العمل لساعات طوال، وبعد قرابة ثلاثة اشهر، قررت اللحاق بعائلتي في دبي، فقمت شخصيا بتجهيز كل البيانات، وحملت كشوف التبرعات، وكشف اسماء «المزورين، وكشوف البنك، وسلمتها للسفير «البكر» طالبا منه إخلاء ذمتي، وجرى بيننا ما ذكرته في المقابلة، وسبق ذكره في عدة مقابلات تلفزيونية ومقالات، نشرت في القبس، كررت فيها، المرة تلو الأخرى، استلامي شيك الـ80 مليون دولار من الوزير السميط، وهي:
1. سلام عليك يا وطني، 17 /6 /2010.
2. سؤال بريء جدا، 3 / 11/ 2015.
3. سمو الرئيس.. هل تقبل التحدي؟ 18/3/2018
4. الجمعيات والإعاشة والسفير البكر، 30/ 3/ 2020
5. ذكريات 10 أغسطس، 9/ 9/ 2020
6. ذكريات 10 أغسطس، 10 / 9/ 2020
7. ذكريات 10 أغسطس، 11/9/ 2020
8. التدين الظاهر والفساد الجماعي، في 16 / 4 /2024
* * *
طوال عقود، لم يعترض أحد على أية كلمة أو اسم ورد في تلك المقابلات والمقالات، بخلاف المقابلة الأخيرة، التي تم تسجيلها في بيروت. ولم يختلف ما ذكرته فيها، عما ورد في تلك المقابلة، بخلاف الخطأ غير المقصود في ذكر عُمْلَة الشيك، والذي لا يغير من الحقيقة شيئا. وصور من كل المقالات أعلاه متوفرة في أرشيف القبس وتوجد نسخ منها لدي، لمن يرغب.
السؤال: أين كان كل هؤلاء الكذبة، طوال كل هذه الفترة؟ لماذا تجاهلوا كل ما أوردته في المقالات من قصص الغزو ولجنة الرياض؟ ولماذا لم يقم هؤلاء «المرضى» باللجوء للقضاء، بدلا من الاكتفاء بنشر سخيف التلميحات ورديء الاتهامات، وحقير الاشاعات، في القروبات وعلى شكل تغريدات؟
والأهم من ذلك، لماذا لم يقم أي من «المسؤولين» الذين وردت أسماؤهم في المقالات أعلاه، بتكذيب ما ذكرت؟ وفوق ذلك، إذا لم نكن نحن، متطوعي لجنة الرياض، من قام بذلك العمل الجبار، وتقديم الإعانة لأكثر من مئة ألف مواطن، فما «الجهة الأخرى» التي قامت بذلك، ولماذا لم يذكر هؤلاء اسمها؟
لا أنا ولا من شارك في «لجنة الرياض التطوعية»، وأخص بالذكر (من أتذكر أسماءهم، بعد 36 عاما)، مع حفظ الألقاب: خالد المعوشرجي، وسعد الدعي، ومنصور ششتري، وعلي عويد العنزي، والمرحوم حمد النخيلان، والمرحوم محمد محمد السلمان الصباح (الذي أصبح مفوضا بالتوقيع على الحساب، مع النخيلان)، بحاجة لمن يثني على عملنا، فقد أدينا واجبنا نحو الوطن، دون منة، ومؤسف أن نجد بعدها كل هذا الجحود من البعض، لغرض في أنفسهم؟
أحمد الصراف





