بلاد الكرم والأخلاق
بدأت علاقتي بالهنود، كما بينت في مناسبات سابقة، في مرحلة عمرية مبكرة، عندما اعتقد والدي عام 1955 أن الوقت قد حان لأن أتعلم اللغة الإنكليزية على يد من يتقنها، ولكن التجربة لم يكتب لها النجاح. بعدها بعشر سنوات عملت في بنك الخليج ووجدت نفسي في محيط من الهنود الذي لم يقصروا في شيء معي، ومنهم تعلمت الكثير، عن الخلق والأدب، والصبر، والعمل الدؤوب. بعدها بخمس وعشرين سنة أسست مع ثلاثة هنود شركة خاصة، توسعت أعمالها وأصبح يعمل فيها اليوم المئات، غالبيتهم من الهنود. واستطيع القول إنني، خلال الستين سنة الماضية، لم أجد من هؤلاء، بشكل عام، إلا كل إخلاص في العمل، وأمانة وتواضع مع مقدرة كبيرة على العمل بهدوء، وكلها صفات وفضائل يفتقدها غالبية من يسخرون من الهنود، بسبب عجزهم عن مجاراة هؤلاء في أي أمر، فخلق هذا لديهم عقدة نقص، فوق ما هم عليه من تخلف وسخف.
تملك الهند صواريخ عابرة للقارات، وغزت الفضاء بأقمارها، ولديها ترسانة أسلحة نووية هائلة، وتصنع وتنتج كل احتياجاتها، ولا تستورد شيئا من الخارج، إلا ما ندر.
قمت بزيارة الهند مرات عدة، وفي كل مرة أجد تطورا أكبر ونظافة أكثر وزيادة لا يمكن أن تخطئها العين في وسامة رجالهم وجمال نسائهم، وما اصبحت أجده حولي من فنادق فخمة ومطارات عظيمة الاتساع نظيفة في ممراتها وحماماتها، سهلة الاستخدام، ومحطات وقطارات تنقل يوميا مئات ملايين البشر، تشعرني بالخجل أمام كل «منجزاتنا»، التي تعادل في الحقيقة صفرا كبيرا، فكل شيء في الهند صمم ونفذ بأيدي هنود، وهم الذين يقومون بإدارتها وصيانتها، وحراستها، والمحافظة عليها. وحتى لو كانت أحجامها وأشكالها لا تقارن بما لديها من ناطحات سحاب وطرق، إلا ان شعبها يتفوق علينا كثيرا، فهم نتاج ما غرسه نهرو ورعته إنديرا وموراجي ديساي وغيرهم من زعماء، الذين لم تشب سيرة أي منهم شائبة، في الشعب الهندي من خلال مؤسسات تعليمية عالمية السمعة، كمؤسسة iit، وعشرات الجامعات والمعاهد العلمية الأخرى، التي قاموا بإنشائها ورعايتها، وبفضل ذلك أصبحت الهند خزان العقول للعالم الغربي.
تحية خاصة من الهند العجيبة، التي حضرنا فيها زواج ابن صديق لنا، ورأينا الفرح والبهجة، والتسامح والمحبة في أعين والدي العروس الهندوسيين، مثل تلك التي رأيناها على وجوه أهل العريس المسلم، فلا عداوة ولا زعل ولا خصام ولا كراهية.
استغرقت احتفالات العرس ثلاثة أيام جميلة، تخلل أحدها حفل عشاء حضره ما يقارب الأربعة آلاف ضيف، من مختلف الطوائف والديانات. حدث ذلك على الرغم من عدم ثراء الداعي، ولكنها الهند العظيمة، وسرها المكنون، الذي لم تعرف تلك الخليجية الجاهلة حقيقته، فاستخدمت ذلك الوصف المخجل لشعب عظيم، ودولة عظمى لا يعرف الكثيرون فضلها ومكانتها، ولا يرون من أسرارها وتاريخها غير أسمال بضعة عمال، لا يقل دورهم في بناء وطنهم عن دور أكبر تجارهم وصناعييهم، وفنانيهم وكبار مخترعيهم، وندرة خبراتهم وعقولهم.

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top