كريتيكال

تصلني بشكل مستمر رسائل واتس اب كثيرة لا معنى لها وسخيفة، لدرجة أتساءل فيها: كيف قبل أو صدق محتواها من ارسلها؟! كما يسألني من يفترض أنه مدرس ومتعلم، وعلى درجة من الوعي، عن حقيقة محتويات رسائل في منتهى السطحية أو الكذب لشعوره بأنها حقيقية من دون أن يكلف نفسه تشغيل عقله، ولو قليلا، في البحث عن صحة الخبر، وكيف أنه غير معقول وابعد ما يكون عن الحقيقة. وتصبح المسألة أكثر ألما حقا عندما يرد البعض على طلبي بتجاهل مثل تلك الرسائل، لعدم انسجامها مع الحد الأدنى من المنطق، بمحاولة إقناعي، باستماتة غريبة، بصحتها ولو كانت منافية للعقل تماما. هذا الإصرار دفعني للبحث عن السبب في هبوط قدرات الفهم والتحليل لدى نسبة كبيرة منا، فوجدت أن السبب يعود إلى غياب تدريس مادة التفكير النقدي في مناهج مدارسنا.
والتفكير النقدي أو critical thinking هو تملك القدرة على التفكير بشكل واضح وعقلاني حول ما يجب فعله أو فهمه، مع القدرة على الانخراط في التفكير المستقل وإيجاد الصلة المنطقية بين الأفكار المتضاربة.
لا أكتب ذلك من منطلق الدارس أو المطلع على أسرار التفكير النقدي، ولكن أعتقد أنني وغيري نمتلك الحد الأدنى من الفهم، نتيجة قراءات أو تجارب أو دراسات تبلورت مع التقدم في العمر، وكل ذلك يساعد في التفكير السليم وملاحظة صوابية وضع أو كلمة أو صورة مقارنة بغيرها. والتفكير النقدي يتطلب في المقام الأول تحررا من الغيبيات، ولهذا لم تقم وزارات التعليم في الكثير من الدول المتشددة دينيا بتضمين مناهجها هذه المادة التي قد تدفع الطلاب والطالبات الى إثارة أسئلة أو الشك حول أمور قبلها المجتمع واستقر الرأي حولها، وبالتالي فإن إثارتها ليست في مصلحة احد، ولكن على أي مجتمع يتبع ذلك تقبل أن يكون أفراده من فاقدي القدرة على التفكير النقدي.
في الحقيقة إن اكتساب أو عدم اكتساب مهارة التفكير النقدي، يمكن أن تحدد مستقبل اي إنسان، فتبعات عدم قدرة شخص ما على تقبل المعلومات وتحليلها بطريقة فعالة يمكن أن تكون ذات تأثير هائل على مستقبله، خاصة مع التطور العلمي. وهذا الكم الهائل من المعلومات الخاطئة والصحيحة التي تغرقنا بها وسائل التواصل كل يوم يصبح التفكير النقدي أكثر أهمية، فقد اصبحت حياتنا بالفعل معرضة لخطر كبير، إن كنا عاجزين عن التفكير بطريقة نقدية وتحليلية، والتفريق بين الصحيح والكاذب والخبر أو الفيديو الصحيح وغيره المدسوس. وبالتالي يتطلب الأمر تطوير قدراتنا على التفكير النقدي، وعدم الأخذ بالكثير من الأمور على اعتبار انها «مسلمات».
كما يتطلب الأمر تطوير مهارة التفكير النقدي والتحليلي، كما هو الأمر مع كل المهارات الفكرية الأخرى، وهذا ليس بالأمر السهل دائما، خاصة أنها تتطلب الابتعاد عن سابق مفاهيمنا وانحيازاتنا، بحيث يمكن أن نصل لنتيجة منطقية بعيدة عن الأهواء الشخصية والرغبات الدفينة.

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top