القصور الضريبي والأخلاق

تشكو الحكومة من قصور واضح في فهم فلسفة فرض الضرائب، ولا تود المساس بما يصرف من ثروات لدعم المواد الغذائية والإنشائية وغيرها. فالضريبة كانت دائما مرادفة للترشيد ولها جانب أخلاقي وتنموي مهم، فلا دولة بغير ضرائب، حتى أغناها. فالدولة التي لا ضرائب فيها يفتقر مواطنوها في الغالب إلى الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والوطنية، خاصة في الدول الريعية، فلا يمكن للدولة الاستمرار طويلا ليس في تقديم ما هو مطلوب منها من خدمات فقط، بل حتى في الوجود، إن هي توقفت لسبب أو لآخر عن جباية الضرائب، فهي ضرورية لدفع رواتب موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين والصرف على خدمات الكهرباء وإنشاء الطرقات والصرف على التعليم والصحة والنظافة والعلاقات الخارجية وآلاف متطلبات الصرف الأخرى التي لا يمكن القيام بها بغير ما يتم تحصيله من ضرائب. أما الصرف على كل هذه الأمور من بيع النفط فهو ليس بالأمر الحصيف، ولا تقوم به الدول التي تحترم حكوماتها شعوبها، فهذه الشعوب مصيرها الإصابة بالمرض الهولندي. فالنرويج مثلا تدخر كل ما يأتيها من بيع النفط لضمان مستقبل الأجيال القادمة، ولا يدخل ريع النفط في ميزانيتها.
تعهد وظيفة جمع الضرائب وإعادة توزيعها على القطاعات المختلفة إلى وزارة المالية، بعد تحديد ميزانية كل جهة، وادخار الفائض أو تغطية النقص بطريقة ما. وتنص قوانين الدول على أن الضريبة هي مبلغ يدفعه الذين تتحقق فيهم شروط دفعها، أفرادا وشركات، من دون أن يترتب للدافع عن ذلك أي حقوق مباشرة، فالشركة التي تدفع الضريبة مثلا لا يمكنها أن تطلب من الحكومة بناء محطة حافلات لعامليها مثلا، وعادة ما تكون أصوات دافعي الضرائب أعلى في محاسبة حكوماتهم ومساءلتها عن كيفية صرف ما تقوم بتحصيله من ضرائب من تلك التي لا ضرائب فيها.
ويعتقد البعض أننا في الكويت ندفع ضرائب، وإن بطريقة غير مباشرة، وهذا صحيح ولكنها طريقة متخلفة ولا تؤدي وظيفتها الاجتماعية والأخلاقية. فللضريبة وظيفة أخرى غير الصرف على السلع والخدمات، وتتمثل في قدرة الدولة على تحقيق اهداف اقتصادية واجتماعية وأخلاقية من خلال استخدامها في ترشيد السلوك الاجتماعي نحو تحقيق المصلحة العامة، والاهتمام بالبيئة والحد من الإسراف والتحكم في التوازن الاقتصادي عند الأزمات وغيرها كإعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وزيادة المواليد أو إنقاصها، وزيادة استهلاك مادة ما أو الحد من مادة أخرى وهكذا. فالضريبة الجمركية العالية المفروضة على السجائر مثلا هدفها صحي وأخلاقي ومادي واضح.
ويبين الالتزام بدفع الضريبة مستوى الوعي والأخلاق في أي مجتمع، وليس غريبا بالتالي أن نرى شعوب الدول الإسكندنافية مثلا الأكثر التزاما بدفع الضرائب، وهم في الوقت نفسه الأكثر سعادة بين شعوب الأرض، ونجد العكس تماما بين شعوب الدول المتخلفة، وغالبيتها عربية وإسلامية، فهي الأكثر التزاما عقائديا، في الظاهر، والأقل التزاما بالقوانين والواجبات، والأكثر تعاسة وتخلفا.
الحديث عن الضرائب يطول كثيرا، والخلاصة في الموضوع اننا، كشعب وحكومة، بحاجة إلى نظام ضرائب عصري يأخذ في الاعتبار ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية، ونحن هنا لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، فالأنظمة الضريبية المناسبة متوافرة، وما علينا سوى اختيار احدها.

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top