المخازن ومستنقعات البعوض

بعد حريق المنقف الشهير، الذي ربما نسينا كل الدروس التي تعلمناها منه، قامت الجهات المعنية، من بلدية وإطفاء، بإخلاء سراديب العمارات المخصصة كمواقف سيارات مما بها من بضائع، وإزالة مخالفات التخزين في سراديب البيوت، وحيث إن عدد المخالفات كبير جداً، وبسبب النقص في أعداد المفتشين، بخلاف حرارة الجو، فقط «طخ» الرمي، وانتهت «الهبّة» تقريباً، وزادت مشكلة التجّار والشركات فيما يتعلق بالحاجة الماسة لمساحات تخزينية في أسرع وقت.
معالجة مشكلة التخزين تشبه من يريد القضاء على البعوض، فيقوم بقتل بعوضة هنا، وأخرى هناك، وهذا عبث، والأفضل بكثير هو ردم المستنقعات التي يتكاثر فيها البعوض! فلا يكفي تغريم صاحب عمارة أو بيت لمخالفته القانون بتأجير سردابه للتخزين، وخاصة عندما يكون الدخل مغرياً جداً، بل المطلوب الإسراع في تغطية النقص الرهيب في المساحة التخزينية المطلوبة، وهو في ازدياد! فعندما يجد التاجر حاجته بصورة قانونية، فلن يلجأ لغير القانوني!

لم تتوقف محاولات الحكومة، منذ عشرين عاماً تقريباً، في إيجاد طريقة للتصرف مع المساحات الهائلة من الأراضي غير المستغلة التي تمتلكها، لكن ضعف القرار عطّل البت في الأمر. وآخر محاولة كانت في 2007، عندما صدرت قرارات حكومية عليا، خلال عطلة مجلس الأمة، بتأسيس شركة «أمانة» للمخازن العامة، لكن اللغط والشبهات اللذين صاحبا تأسيسها، ومن يقف وراءها، دفعا الحكومة حينها إلى إلغاء الفكرة برمتها، وبقي الوضع المتردي على حاله.

وفي 2012 صدر قرار من مجلس الوزراء بتشكيل «لجنة توفير المساحات التخزينية»، تكون مهمتها حصر القسائم المخصصة لمختلف الجهات الحكومية، وسحبها منها، وتجهيزها بكل ما يلزم للقيام بأنشطة التخزين، والتنسيق مع وزارة التجارة والغرفة، لتقدير الاحتياجات الفعلية للمساحة التخزينية!

لم يتم تنفيذ شيء من تلك القرارات، حتى بعد مرور 12 عاماً، واستمرت المشكلة في التفاقم، والإيجارات في الارتفاع،. ولا تزال الحكومة في حيرة في كيفية الاختيار بين البدائل التالية:

تحديد الأراضي وتسليم إدارتها لهيئة الصناعة، أو تكليف وزارة التجارة بإدارتها، أو تأسيس شركة عامة مساهمة لإدارتها، أو تأسيس كيان تجاري مشترك ـ خاصاً وحكومياً ــ لإدارة أراضي التخزين.

الدوامة مستمرة، والمشكلة في تفاقم، وأنين التجار يتعالى، وأسعار مختلف السلع والخدمات بارتفاع!

بصرف النظر عما سينتهي إليه قرار الحكومة، والطريقة التي سيتم الاتفاق عليها لإدارة ملايين الأمتار المتوفرة للتخزين، فإن ذلك سيأخذ وقتاً، وتنفيذه سيأخذ وقتاً أطول، وتحديد القيمة الإيجارية سيأخذ وقتاً أطول وأطول، خاصة أن الحكومة ستكون بين خيارين أحلاهما مرُّ، فيما يتعلق بالقيمة الإيجارية: فإما أن تقوم بزيادة إيرادات الدولة عن طريق رفع القيمة الإيجارية لأراضيها، وهذا سيخلق حتماً تضخماً كبيراً في الاسعار، لأن الموردين سيحمّلون أسعار بضائعهم بالزيادة الجديدة على المستهلك النهائي، وإما عدم المسّ بجيب المواطن، بطريقة غير مباشرة، وزيادة القيمة التأجيرية بنسب معقولة، وتجنب التضخم.

ما ننصح به هو تسليم إدارة المناطق التخزينية الجديدة لشركات متخصصة، جديدة وحالية، عن طريق مزايدات علنية، وعقود استغلال صارمة، علماً بأن سابق تجربة هيئة الصناعة، في هذا المجال، لم تكن ناجحة، ربما لضعف صياغة عقود الاستغلال، وضعف الرقابة الإدارية عليها.
* * *
جاء هذا المقال بسبب «تغييب» الجهة التي تمثل التجّار والصناعيين، منذ ستة أشهر. وقد تكون الكويت الدولة الوحيدة، التي ليس لهذه الفئة المهمة من يمثلها، ويدافع عن قضاياها المشروعة!

أحمد الصراف

الارشيف

Back to Top