تساؤلات صديق الجسار

أرسل لي القارئ المتابع عبد الكريم الجسار سؤالاً على لسان صديق له يتعلق بسبب تكرار نقدي ومهاجمتي للمتطرفين المسلمين السنة، وترك متطرفي الشيعة لحالهم؟!
هذه قد تكون المرة العاشرة، التي أسمع فيها هذا التساؤل، وأجيب عن تسع منها، والسبب قد يكون أن هؤلاء المتسائلين قد يكونون غالباً إما حديثي العهد بما اكتب، ولا وقت أو صبر لديهم على البحث والعودة لأرشيف ما كتبت، ومن ثم بناء استنتاجهم، بل فضلوا رمي السؤال او الاتهام، ومن ثم الاسترخاء بانتظار الجواب. أو قد يكون الأمر راجعا الى تقصير مني في توضيح موقفي، من خلال ما أكتب.
لا أعتقد أن دوري يكمن في تبرير آرائي، ولكن ربما من المستحسن بين الفترة والأخرى شرح بعض ما التبس على البعض.
أنا مواطن علماني النزعة، ولم أحاول يوماً، منذ أن كنت في الخامسة عشر من العمر، وحتى بعد 60 عاماً، إخفاء ما بداخلي. فعلمانيتي، التي ترسخت مع الوقت، تطالبني وتدفعني دفعاً إلى أن أحتفظ بنفس المسافة من جميع العقائد والمذاهب، وأن أكن لها ولأتباعها احتراماً يليق بكل طائفة، وموقفي منها يتحدد غالباً بدرجة تأثيرها على معيشتي، حريتي ورفاهيتي، ومن الطبيعي بالتالي أن يكون لي موقف أكثر وضوحاً من متطرفي السنة، لأن تأثيرهم علي أقوى وأشد من غيرهم. وأعتقد أن ما يصيب مجتمعي من ضرر من متطرفي الشيعة أقل بكثير، ولا يعود السبب هنا الى أن هؤلاء أفضل من غيرهم، بل لأن الأقليات، ولأسباب معروفة، تجنح الى السلم أكثر من غيرها، ولكن لو أصبح الشيعة هم الغالبية لما تردد البعض منهم في التنكيل بغيرهم، وهذه من طبائع الأمور.
ينقل عن توماس جيفرسون، الرئيس الأميركي السابق، قوله إن الحقيقة تسود إذا ما سمح للناس الاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم.
قد لا يكون سهلا الاتفاق على تعريف واضح للدولة العلمانية، لتداخل الأمر مع الدين في بعض الدول، ولكن تصبح المسألة سهلة، عندما لا ينص دستور الدولة على أي دين، كما هي حال لدول كثيرة. فالدولة لا دين لها، بل الدين لمن يسكنها. وهناك دول كمصر وبعض الدول العربية واليونان، تنص دساتيرها على دين محدد، ولكن دساتيرها تتضمن مبادئ علمانية عامة، كالمساواة بين جميع مواطنيها، وكفالة الحريات العامة. ومعروف أنه لا ديموقراطية بغير حرية، ولا حرية بغير حرية المعتقد، ولا حرية معتقد بغير العلمانية! وبالتالي من المفترض الاعتقاد بأن الأحكام، أياً كانت درجة أهميتها، يحكم العقل والمنطق وظروف الزمان في إقرارها، وليس امتثالاً لما ورد في مراجع دينية خلافية. وتصبح المسألة أكثر مدعاة للاقتداء بالعلمانية في ظل معرفتنا بندرة الشعوب ذات المكونات العرقية والدينية المتجانسة، بحيث لا توجد فيه أقليات يمكن أن تظلم نتيجة اتباع هذا الدين أو سيادة ذلك المذهب، وبالتالي لا توجد حماية للأقليات بغير العلمانية، فالقاعدة بين البشر هي الاختلاف والتنوع، وهذا هو الواقع وحكم المنطق، فالعلمانية تطبق في كل دول العالم حتى أكثرها تخلفاً، والإسلامية ليست استثناء، ولكن المكابرة هي التي تمنعها من الإقرار بذلك، وخير مثال دستور الكويت الأقرب للعلمانية منه لأي شيء آخر. وأعتقد أنه لولا الثروة النفطية لكانت وتيرة قبول الدول العربية والإسلامية، الخليجية بالذات، للعلمانية أسرع بكثير، ولكن الوقت سيأتي عليها لا محالة.
لا نحتاج هنا الى أن نكرر أن العلمانية، ليست ولم تكن يوما ضد الدين، بل هي الحامية الأكبر له، ومن يعارض العلمانية، إما أنه لا يعرف حقيقتها، أو مستفيد سياسياً أو مادياً من بقاء الدولة الدينية.

أحمد الصراف

زوار الموقع
الارشيف

Back to Top