الحقوق الإنسانية المنسية
على الرغم من الأهمية القصوى لبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر في عام 1948 والذي شكل نقلة نوعية، وأصبح أداة لقياس مدى تعامل أي كيان سياسي مع حقوق البشر، خاصة الفقراء والمهمشين والنساء الأطفال، والمحرومين والأقليات، فإن إقراره لم يمنع وقوع انتهاكات عدة لحقوق الإنسان، بل زادت كثيراً، لكن كان الممكن جداً أن يكون الوضع أسوأ بكثير، فما لا يدرك كله، لا يترك جله!
* * *
تماشياً مع المتطلبات الدولية، وافقت الحكومة عام 2005 على تأسيس جمعية أهلية للاهتمام بحقوق الإنسان، وكنت أحد مؤسسيها، وترأسها في حينه الراحل جاسم القطامي، قبل أن تنطفئ نارها، أو تكاد. ونتيجة ضغوط قوية من أعضاء مجلس الأمة والسلف، وافقت الحكومة على تأسيس جمعية «حقوق إنسان» أخرى، فأصبحت الكويت الدولة الوحيدة، بحجمها، التي بها جمعيتان متضادتان للدفاع عن حقوق نفس الإنسان، إحداهما تقبل شكواه والأخرى ترفضها!
كما لبت الحكومة، بعدها بسنوات عدة، المطالبات الدولية المتعلقة بتأسيس «الديوان الوطني لحقوق الإنسان»، كهيئة مستقلة، وحلقة وصل بين الجمعيات الأهلية والجهات الحكومية، والمنظمات العالمية، لكن استقلاليتها لم تتحقق يوماً، لذلك لم يكن غريباً حصول الكويت على تصنيف متدنٍ من المنظمات الرقابية الدولية.
عينت الحكومة السفير المتمرس جاسم المباركي رئيساً للديوان، وعلى الرغم من قوة شخصيته، فإن الحكومة نجحت في تهميش دور الديوان، والانتقاص من استقلاليته، وكان لافتاً عزوف ممثليها في مجلس إدارة الديوان عن المشاركة في اجتماعاته، بخلاف نقل تبعيته، مع كل تشكيل وزاري، من وزارة لأخرى، ومن مجلس إدارة لآخر، قبل أن يصبح تحت إشراف وزارة العدل التي قام وزيرها، قبل أيام بحله، وتكليف لجنة ثلاثية للقيام بمهامه، برئاسة وكيلة وزارة العدل (!!)، في تعارض واضح مع متطلبات الجهات الدولية.
كما سبق أن قامت الحكومة بتأسيس إدارة في وزارة الخارجية، للاهتمام بحقوق الإنسان، والفرق بين هذه الإدارة والديوان الوطني لحقوق الإنسان، أن الديوان تم تأسيسه، كجهة مستقلة، تلبية لمتطلبات اتفاقية باريس لحقوق الإنسان، التي سبق أن وقعت عليها الكويت، بينما الإدارة جهة حكومية معنية أساساً بالمشاركة، نيابة عن الحكومة، في مؤتمرات حقوق الإنسان، والدفاع عن وجهة نظرها، ولا أعتقد أنها معنية بشكاوى المواطنين أو المقيمين، في ما يتعلق بأي مظالم أو انتهاكات، وتدير الشيخة جواهر إبراهيم الدعيج الصباح، بصفتها نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون حقوق الانسان، هذه الإدارة، التي من مهامها أيضاً تقديم الرأي والمشورة في الأمور والمسائل المتعلقة بحقوق الإنسان التي تحال إليها، وإعداد التقارير التي تعدها الدولة عن حقوق الإنسان، بموجب الاتفاقيات الدولية، وتقديمها لهيئات الرصد الدولية المعنية، بالتنسيق مع الجهات المختصة بالدولة.
على الرغم من تعدد الجهات المعنية بحقوق الإنسان، فإن هناك شحاً في المعلومات المتعلقة بما قامت أو تقوم به كل منها من أنشطة، ولا أعتقد أن الكثيرين على دراية بكيفية عملها أو طريقة التواصل «السهل» معها. وبسبب هذه التخمة فربما يتطلب الأمر إعادة النظر في أوضاع بعضها، والتخلص من غير المطلوب منها، وإعطاء الباقي ما يستحق من اهتمام واستقلالية، كما تنص المواثيق الدولية، منعاً لتأثر سمعتنا سلباً، بسبب الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع هذه الجهات، الحساسة، دولياً.
أحمد الصراف





